بيت الجفري في المنصور.. منارة حوش بن لادن
بيت الجفري في المنصور.. منارة حوش بن لادن
بقلم: د. عمر بن حسين الجفري
ليست البيوت جدراناً وأسقفاً فحسب بل هي ذاكرة الأيام ومستودع الحكايات، وحاضنة المودة التي تبقى في الوجدان مهما امتد الزمن وتبدّلت معالم المكان. ومن بين صفحات الذاكرة المكية يطلّ علينا بيت عمي السيد عبدالله بن علي الجفري -رحمه الله- في حوش بن لادن بحي المنصور في مكة المكرمة شاهداً على زمن جميل بما احتضنه من ذكريات وأواصر قربى وحكايات كفاح ونجاح.
كان البيت في زمن لم تكن فيه ملامح العمران الحديث قد امتدت إلى ما حوله قائماً منفرداً في محيطه فإذا أقبل الليل وأظلمت البقعة تلألأت أنواره فبدّدت وحشتها حتى غدا في أعين من عرفوه منارة مضيئة وعلامة لا تخطئها ذاكرة المكان.
ولم تكن قيمة ذلك البيت في موقعه أو أنواره فحسب بل في دفء الحياة التي احتضنها، وقلوب أهله التي فتحت أبوابها للأقارب والأحباب فكان على بساطة مساحته واسعاً بمودته عامراً بلقاءات الأسرة وصلة الرحم.
وكان وراء تلك الأجواء الوالد السيد عبدالله الجفري الذي كافح في طلب الرزق وتحمل أعباء الحياة لتعليم أبنائه وتأمين مستقبلهم، وإلى جانبه والدتهم الشريفة رقية فدعق التي غرست في نفوسهم مكارم الأخلاق والقيم الإسلامية، وضربت مثالاً في كرم الضيافة وحسن استقبال الزائرين. فاجتمع كفاح الأب وعطاء الأم ليشكّلا أساس أسرة عُرفت بالعلم والعمل والخلق الكريم.
وما زلت أستعيد ذكريات طفولتنا حين كنا نتشوّق لزيارة ذلك البيت، وتسبق أفراحنا خطواتنا إليه؛ فنمضي في أرجائه لعباً ومرحاً، ونجد في فسحته الصغيرة عالماً واسعاً من البهجة. كانت لحظات لا تزال حاضرة في الذاكرة تؤكد أن الأماكن التي تسكن القلب لا تغادره وإن غابت عن العين.
ومن ذلك البيت البسيط انطلقت مسيرة أبناء وبنات واجهوا صعوبات الحياة بالعزيمة والمثابرة، وجعلوا من العلم والعمل طريقاً للنجاح والتميز. فبرز الأستاذ السيد محمد في ميدان التعليم محاضراً بكلية المعلمين بمكة المكرمة ثم جدة، كما أسهم أخوه الفقيد السيد بكر -رحمه الله- في التعليم والإشراف التربوي، وتولى رئاسة قسم التربية الرياضية بالإدارة العامة للتعليم بمكة المكرمة إلى جانب عمله أميناً عاماً لنادي الوحدة الرياضي.
وامتدت إنجازات الأسرة إلى مجالات أخرى فبرز السيد ياسين في موقع مسؤول بالخطوط السعودية، وتولى الدكتور عمر مناصب قيادية واستشارية منها مساعد تنفيذي لمدير عام الخطوط السعودية للخدمات المشتركة، وكبير مستشاري وزير النقل، ورئاسة مجلس إدارة شركة سيتا العالمية لتكنولوجيا معلومات النقل الجوي كما عمل أستاذاً بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. وتولى الأستاذ الدكتور علي عمادة كلية التربية بجامعة جدة سابقاً.
ولم يقتصر العطاء على الرجال بل كان لنساء الأسرة نصيب من التعليم والتربية فبرزت السيدة نعمة والسيدة بهية والسيدة شفاء والسيدة سعاد في ميدان التعليم، وأسهمن في تنشئة الأجيال وأداء رسالتهن التربوية بما يستحق التقدير والاعتزاز.
ولعل هذه السطور لا تفي جميع أفراد الأسرة حقهم فلكل واحد منهم سيرة كفاح وتجربة تستحق أن تُروى وتُوثّق، وأن تُفرد لها صفحات تحفظ للأجيال القادمة جانباً من تاريخ هذه الأسرة وعطائها.
واليوم حين نستعيد حكاية بيت الجفري في المنصور فإننا لا نستحضر منزلاً كان قائماً في حوش بن لادن فحسب بل نستعيد زمناً كانت فيه البيوت ملتقى القلوب، وصلة الرحم جزءاً أصيلاً من الحياة، وكانت مجالس الأسرة مدارس للمودة والقيم والانتماء. لقد تتغير معالم الأحياء، وتختفي بيوت كانت يوماً عامرة بأهلها لكن ما تتركه في النفوس لا يزول؛ فالأثر الحقيقي ليس في الحجارة التي تبقى أو تزول بل في القيم التي تُغرس، والروابط التي تصمد أمام الزمن، والإنجازات التي تحمل أسماء أصحابها إلى ذاكرة الأجيال.
وهكذا يظل بيت الجفري في المنصور حاضراً في وجداننا بما جمعه من بساطة المكان وثراء الذكريات، ومشقة البدايات ورحابة الطموح. وإذا كانت أنواره قد بدّدت ظلام المكان في زمن مضى فإن سيرة أهله تظل ضوءاً لا تطفئه السنون؛ لأن البيوت التي تصنع الذكريات وتحتضن الكفاح والنجاح لا تنتهي حكاياتها بزوال جدرانها بل تبقى حية ما بقي الوفاء في القلوب، والحنين في الذاكرة، والاعتزاز بالجذور في نفوس الأجيال.
هذا والله من وراء القصد ،،
منقول