الشيخ حمزة محمد بصنــــــــــــوي

أطلَّ إلى الوجود عام 1338هـ في محلة الفلق في قلب مكة المكرمة لينضم إلى أسرة الشيخ محمد بصنوي ليرعاه بالتربية كما رعى شقيقه الأكبر عبد الله. ولكن يد المنون لم تمهل الأب طويلًا لهذه المهمة، إذ اختاره الله لجواره وابنه حمزة لم يكمل بعد السابعة من عمره. فتكفل به خاله، الشيخ عبد الله صالح قطش، عمدة حارة الباب، وكذلك شقيقه عبد الله بصنوي الذي كان أسنّ منه بتسع سنوات.

نشأته
 نشأ الطفل حمزة في كنف خاله، ونال تربية البيت الصالح من ذلك الخال ومن والدته السيدة صالحة صالح قطش رحمها الله، تلك السيدة التي كان لها من اسمها واسم والدها نصيب في الصلاح والتقوى، فقيض الله لها بذلك تنشئة أولادها على نسق قويم، ونهج سديد، مفعم بالفضيلة والتقوى، مُدْرَجٍ في المهابة والحزم، مغلفٍ بالرأفة والرحمة.

أما الخال عبد الله فقد تعهد بإرشادهم إلى مدارج السالكين إلى رضوان الله وفي مقدمتها المدرج التعبُّدي، فعوَّدَ الأخوين عبد الله وحمزة على أداء الفروض الخمسة من الصلوات في المسجد الحرام، مع أداء تحيته المعروفة، وهي الطواف. كما حرص على تنشئتهما في أجواء البيئة التي تقاس فيها مقادير الرجال بأفعالهم ومواقفهم، فتهيأت لهما بذلك فرصة تكوين شخصية تَوّاقةٍ للمعالي، لا تتخذ المَيْن وسيلة إليها، ولا تعرف للأيْن طعمًا دونها. 

تعليمه
كان مصدره الأول في التعلم ذلك المنهل الذي لا ينضب، وهو ما يتلقاه طلاب العلم من أفواه علماء المسجد الحرام، الذين كانت تزخر بحِلَقِهِم أروقته وحصواته. فقد كانت للسيد علوي عباس مالكي حلقة في باب السلام، وللشيخ عيسى محمد رواس حلقة أمام باب السليمانية، وللشيخ خير محمد مولوي حلقة في باب الباسطية، وللشيخ حسن محمد مشاط حلقة في باب المحكمة .. فكم ارتوى من ذلك المنهل صادٍ، وكم روى عنه حادٍ.   
كما أنه بعد الكتاتيب التحق بالمدرسة السعودية، وأنهى دراسة المرحلة الابتدائية بها عام 1353هـ، ثم حصل على شهادة المعهد العلمي السعودي عام 1356هـ بتفوق.

وظائفه
تنقل خلال حياته العملية في عدة وظائف، كان أولها سكرتيرًا لمهدي بك مدير الأمن العام. ومنها إلى مديرية الإذاعة السعودية، تحت إدارة الأستاذ إبراهيم أمين فوده عام 1372هـ.

مآثره وصِلاتُه الاجتماعية 
كان للمسجد الحرام وللنشأة الصالحة في رحابه أثر كبير في تطبُّع الشيخ حمزة رحمه الله. فقد كان متواضعًا ودودًا برًا رؤوفًا. 
الصفة الأخيرة بالذات أودعت بين جوانحه ميلًا خاصًا للرأفة بالأيتام. صحيح أن أغلب الناس لديهم نزعة فطرية لمساعدة اليتيم، ولكن صاحب السيرة كان متميزًا في هذا الشأن. فنظرته كانت استشرافية للمستقبل، ومعادلته كانت مترعة بحسابات المآلات. فكم منا يعطف على اليتيم بعطايا آنية، أو في مناسبات تذكِّر بحرمانه كالأعياد مثلًا، وهذا إحسان مأجور، وعمل مبرور، ولكنه يفتقر إلى الديمومة. وهنا تميز الشيخ حمزة رحمه الله تعالى.

كان الشيخ حمزة يشتري للأيتام أسهمًا في محاضن جيدة الدَّرِّ، مأمونة الثبات، موثوقة الإدارة، مثل شركة الكهرباء.  ومن بين مناقب صاحب السيرة إزجاؤه الإحسان بصيغ متعددة، وفي كل الأحوال يحتل ديدنه لحفظ ماء الوجه قمة اهتمامه. هذا ابنه الأكبر اللواء إبراهيم بصنوي يتحدث قائلًا: "كان بالقرب من منزلنا في حارة الشامية رجل مُسِنٌّ مُقْعَد يقبع في دكان صغير متواضع ليبيع فاكهة تُحْضِرُها من الحلقة زوجته المُسِنَّة محمولةً على رأسها .. وكان لهما ابن يكابد أيضًا في كسب العيش برغم إعاقة يعاني منها .. وكان والدنا يؤكد علينا مرارًا وتكرارًا ألا نشتري الفاكهة إلا من دكان هذا الرجل، وعدم اللجوء إلى المفاصلة معه حول السعر، بل إعطاؤه المبلغ الذي يطلبه. وكان يذكِّر الجيران أيضًا بهذا المسلك. هذا والوالد يقدم لهذه الأسرة مساعدات أخرى بطرقه الخاصة". (انتهى كلام اللواء إبراهيم بصنوي).

يتضح من هذه  الوقفة المفعمة بالإنسانية ما أشرنا إليه آنفًا من ديدن الشيخ حمزة بصنوي: "إزجاء الإحسان لذوي الحاجة مع حفظ ماء وجههم". وهذا هو النبل في أبهى صوره وأسمى معانيه.
      
صورة أخرى من صور النبل وإزجاء الإحسان تتجلى في تعامله مع سيدة مسنَّة ممن شملتهم ابتلاءات الزمن وعواديه .. هذه السيدة فقدت ابنها الوحيد وهو في عز الشباب، صرعه تيار كهربائي أثناء قيامه بإصلاح مكيفها الصحراوي في بيتهم في جبل عمر، وأصبحت فجأة بدون عائل أو سند. هنا نجد الإنسان النبيل حمزة بصنوي يظهر فجأة على مسرح الأحداث، حاملًا ما تحتاجه السيدة العجوز إلى منزلها في جبل عمر، بشكل منتظم ودوري، لا ينقطع حتى ولو حالت ظروفه دون إنجاز تلك المهمة شخصيًا، فإنه يعهد بها إلى شخص آخر من أهل الثقة ليقوم بها نيابة عنه.  
كما كانت لصاحب السيرة علاقات فريدة رأسية وأفقية مع أفراد المجتمع. فهو صديق حميم للأستاذ إبراهيم فوده بالإضافة إلى علاقة العمل بينهما، حيث كان الأخير مديرًا عامًا للإذاعة، وصاحب السيرة مديرًا عامًا مساعدًا له..

وقد رثاه الأستاذ إبراهيم فوده بعد وفاته بقصيدة عصماء ختمها بقوله:
ما عشت بعدك أخشى أن أزيد به في حسبــــــة العمر بعد الذروة الصببا
لكنني أرتجي الفردوس مجمعنـا     على التقى والبر محتســــــــــــــــــــــبا

كما أن علاقته الرأسية جمعته بالأستاذ عبد العزيز الرفاعي، حيث عمل الأخير موظفًا تحت رئاسته في مكتب مهدي بيك المصلح، ثم تطورت بينهما علاقة صداقة حميمة، تنبئ بما جبلت عليه شخصية صاحب السيرة من رفيع الخلق. أما علاقته الأفقية بشقيقه الشيخ عبد الله فقد كانت مضرب المثل في الحب والاحترام والتقدير.

وقد كتب عن تلك الصفحات المضيئة في حياة الشيخ حمزة الاجتماعية ابنه اللواء إبراهيم بصنوي نفثات مفعمة بالبر بثها في كتابه القيم "حمزة بصنوي ..في زحمة الحياة.. ذكريات وعظات".

سعيه للإصلاح بين الناس
هذه سمة اتصفت بها الأغلبية من أهل مكة المكرمة، ولكنها في آل البصنوي ومن ينتسبون إليهم تبدو أكثر تجذرًا في وجدانهم ممن سواهم. فقد اشتهر بها أكثر من فرد في هذه العائلة.فهنيئًا لهم، إذ بها يرتقي الإنسان عند الخالق والخلق، ما دام يؤديها سعياً لمرضاة الخالق بإسعاد الخلق ..ولا شيء سوى ذلك.

 وقد برعوا فيها بتوفيق الخالق، حتى غدا الشيخ حمزة يقوم بالإصلاح بين "العُمَد" أنفسهم، إذا شَجَرَ بينهم ما يوجب التدخل، في حين أنهم (أي العمد) هم ركيزة الإصلاح بين أفراد المجتمع في تلك الأزمنة المباركة.

وأشهد أن سمة الركون إلى الخير والإذعان له قد سرت إلى الجيل الثالث من هذه العائلة الكريمة، فقد عايشْتُ موقفًا كنت فيه بصحبة اللواء إبراهيم حمزة بصنوي والدكتور عبد الكريم كابلي والسيد نعمان النهاري في مهمة تقديم عرض حول مشروع "جامعة مكة الطبية" لغرفة مكة التجارية الصناعية بناءً على طلبهم ..وبعد انتهائي من تقديم العرض حدث ما أوجب الاعتذار التالي:

19 نوفمبر 2007م

الإخوة الكرام الأخوات الكريمات            سلمهم الله
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
 
تلقيت اليوم اتصالاً هاتفياً من سعادة المهندس عصام حمزة بصنوي، نائب رئيس الغرفة التجارية الصناعية بمكة المكرمة والمسئول عن النشاط الاستثماري بها، يعرب فيه بأسلوب في غاية التهذيب والرقي عن أسفه الشديد لما حدث يوم السادس من شهر رمضان المبارك، ويعتذر أصالـــــة عن نفســـــه، وباسم الغرفة وباسم رئيس مجلس الإدارة الشيخ عادل عبد الله كعكي الذي بدرت منه السلوكيات التي أوجبت الاعتذار (وقد ذكرت لكم ذلك في حينه). كما تقدم سعادته بالدعوة لعرض المشروع في لقاء سوف يعقد غدًا بمكة المكرمة يضم عددًا من المستثمرين ورجال الأعمال .وطلب مني ـ في حال قبولنا للدعوة ـ موافاته بالموافقة مساء اليوم الاثنين 9 ذي القعدة، وذلك لكي يقوم بوضع عرض المشروع كبندٍ على جدول أعمال اللقاء .

ولما كان قبول أو رفض الدعوة عائدًا لكم، ذلك كون الذين حضروا اللقاء السابق يمثلون هيئتكم الموقرة ويتحدثون باسم المشروع، الأمر الذي يجعل تلك السلوكيات متعدية تلقائيًا، فإني أرجو أن أتلقى منكم عاجلاً مرئياتكم حول قبول أو رفض الدعوة، حتى أكتب لسعادة المهندس عصام بذلك . 
وتفضلوا بقبول وافر تحياتي وتقديري، والله يحفظكم ويرعاكم،،

أخوكم
أمين صالـــــــــــح كشميـــــــري
مدير مشروع جامعة مكة الطبية
  
وفي هذا ما يؤكد ـ بدون أدنى شك ـ ما ذهَبْتُ إليه من انتقال مكارم أخلاق هذه العائلة النبيلة من جيل إلى جيل.


وفاته
توفي رحمه الله تعالى يوم الخميس ليلة الجمعة 15\16 -3-1406هـ ووري جثمانه في مقابر المعلاة بمكة المكرمة، وقد أعقب من الذرية:
•    اللواء إبراهيم – خريج كلية قوى الأمن الداخلي، ويحمل من المؤهلات: بكالوريوس آداب من جامعة الملك عبد العزيز – ماجستير في علم الاجتماع مع التركيز على الجريمة من جامعة سان دييجو بكاليفورنيا.
•    المهندس عصام (رحمه الله) - من رجال الأعمال.
•    مصطفى - موظف بشرطة العاصمة.
•    جميل - موظف بأمانة العاصمة.
•    عبد الوهاب 
•    سعيد 
•    باسم 
•    طارق 
•    يوسف 
•    بالإضافة إلى سبع بنات
نسأل الله أن يتغمد برحمته من غادر عالمنا، وأن يبارك في الباقين، وأن يجعلهم حاملين لنفس صفات أسلافهم الأماجد.

بقلم : أ.د. أمين بن محمد صالح  كشميري