«الصولتية».. عبق التاريخ يفوح من شوارع مكة وأسمائها

أبى تاريخ التعليم إلا أن يستحضر نفسه من خلال أسماء شوارع مكة المكرمة..

وجدي القرشي من مكة المكرمة

أبى تاريخ التعليم إلا أن يستحضر نفسه من خلال أسماء شوارع مكة المكرمة.. إذ بدأت أمانة العاصمة المقدسة أول خطوات هذا الاستحضار عندما همت بتسمية شوارعها بأسماء أبرز الشخصيات التاريخية التي أفرزتها ''الصولتية'' تلك المدرسة التي يعود تاريخها إلى نحو 143 عاما وأسهمت مخرجاتها فكرا ومفكرين في تطوير الحركة التعليمية والثقافية في السعودية بشكل عام والحجاز تحديدا. وعلى الرغم من أنه لم يبق من هذه المدرسة التاريخية إلا اسمها بعد أن طالتها عجلات وآليات الهدم لمصلحة المشاريع التنموية القريبة من الحرم المكي, إلا أنها لا تزال عالقة في أذهان الكثيرين من أبناء مكة المكرمة الكبار سنا وقدرا، كونها كانت شاهدا على أهم المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة، فضلا عن كونها أهم المعالم التعليمية في تلك الفترة.

والمدرسة ''الصولتية'' أسسها الشيخ محمد رحمت الله الذي جاء إلى مكة المكرمة عام 1274هـ من الهند، وأذن له بالتدريس في الحرم المكي، ولم تكن هناك مدرسة منهجية في مكة فأسس أول مدرسة على نفقته الخاصة وبمفرده في المسجد الحرام.. ولتسمية هذه المدرسة بـ ''الصولتية'' قصة أخرى، إذ يروى أن هناك امرأة هندية ثرية كانت تسمى ''صولت النساء''، وكانت ترغب في إنشاء رباط خيري في مكة المكرمة، وعندما استشارت الشيخ محمد رحمت الله أشار عليها بإنشاء مبنى جديد للمدرسة فحبذت الفكرة، وتبرعت بقسط وافر من مالها الخاص وشيدت المدرسة في حي الخندريسة في حارة الباب جوار المسجد الحرام في عام 1290هـ. وانتقل الطلاب ومدرسو مدرسة الشيخ رحمة الله إلى هذه البناية الجديدة، وتخليداً لذكرى هذه المرأة واعترافاً لجميلها أطلق المؤسس اسم ''الصولتية'' على هذه المدرسة.

هذه المدرسة التي كانت تقع على مسافة ليست بالبعيدة عن غار حراء الذي نزلت فيه أول آيات القرآن الكريم داعية إلى التعلم ''اقرأ باسم ربك الذي خلق''، وقريبا أيضا من دار الأرقم بن أبي الأرقم أول مدرسة يقيمها رسول الهدى لنشر النور والعلم، ظهر منها علماء كبار كانوا نواة لتأسيس العديد من المدارس الأهلية تعليمية في مكة المكرمة: الشيخ عبد الحق قارئ الذي أسس المدرسة الفخرية، الشيخ عبد الخالق البنغالي الذي أسس المدرسة الإسلامية المعروفة بـ ''دار الفائزين''، الشيخ حسين خياط الذي أسس المدرسة الخيرية. وولدت بعدها فكرة مدارس الفلاح التي تأسست على يد الشيخ محمد علي زينل في جدة عام 1323هـ.

وكان أمين العاصمة المقدسة الدكتور أسامة البار، قد اجتمع في وقت سابق، بأعضاء لجنة التسمية والترقيم التي تعنى بتسمية الشوارع الرئيسة والميادين الفرعية والعامة في مكة المكرمة، وذلك لمناقشة ما توصلت إليه اللجنة بهذا الخصوص. وتمت بالفعل خلال هذا الاجتماع مناقشة عدد من اقتراحات المواطنين وبحث ما تم إقراره خلال الفترة السابقة حول تسمية عدد من الشوارع بأسماء الشخصيات البارزة والمؤثرة في تاريخ العاصمة المقدسة، كأعضاء هيئة كبار العلماء ورؤساء رابطة العالم الإسلامي، ومديري مدرسة الفلاح، و''الصولتية''، إضافة إلى مناقشة الاستراتيجية المقبلة لتسمية الشوارع والميادين وأهم المعايير التي تستند إليها اللجنة في اختيار الأسماء المناسبة للشوارع، والتي تتوافق مع المكانة التاريخية والدينية.