النبي ورحمته بالعالمين صلى الله عليه وسلم

سبحان من أكرم هذه الأمة بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين نذيراً وأكرمه وكرمه، وقرن اسمه باسمه، ورفع ذكره، وصلى عليه وملائكته، وأمرنا بالصلاة والسلام عليه وجعله رحمة للعالمين، فهذا المولد النبوي الشريف جاء كإشراقة خير على الناس أجمعين ولهذا فنحن نفرح عندما نتذكر مولده صلى الله عليه وسلم وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه».
والعالم الإسلامي في جميع أنحائه والحمد لله يحتفي بهذا المولد الشريف بما يليق بهذا المولد وبصاحب المولد وبعظمة قدر صاحب المولد، وإنني ممن يدعون إلى أن نعلم أولادنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونغرس في قلوبهم الحب لهذه السيرة المباركة طوال العام وأن نعلمهم نسبه الشريف، وأنه خيار من خيار، وقصة ولادته ورضاعته ونشأته ويتمه وفتوته وشبابه وتجارته وزواجه وذريته المباركة وبعثته وهجرته وقتاله لصناديد الشرك وصبره على أذاهم حتى أنجز الله وعده ونصره على عدوه.
ودعونا الآن نلقي نظرات على جوانب من هذه السيرة لهذا النبي الرحيم ذي القدر العظيم فهذا النبي صلى الله عليه وسلم كله رحمة.. حياته رحمة.. وبعثته رحمة.. ورسالته رحمة.. وأنه صلى الله عليه وسلم رحمة أهداها الله عز وجل لجميع خلقه من الإنس والجن والدواب، وجميع الناس من العرب وغير العرب، وليس هناك في الأنبياء من وصل إلى هذه المكانة، لأنه ختم به رسالات السماء إلى الأرض، وجعله رحمة للبشرية جمعاء، حتى للكفار والمعاندين بل حتى الذين آذوه وقاتلوه كان رحمة لهم لو أطاعوه، وقد خاطبه الله عز وجل بقوله الكريم: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

وقد تجاوزت رحمته بني آدم إلى جميع ما في الأرض من الحيوان فكان صلى الله عليه وسلم أعظم من دعا إلى الرفق بالحيوان وأمر به ونهى عن تعذيب الدابة والطير والنمل وجعل في كل ذات كبد رطبة أجراً، ونهى عن ضرب الوجه والخد والعين ووجوب الإحسان إلى الحيوان، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» ولقد أخبر صلى الله عليه وسلم الصحابة بخطورة ظلم الحيوان فقال: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض».

بل وعلمهم أن الله بعزته وجلاله يحب العبد الذي يحسن إلى هذه الحيوانات الضعيفة ويغفر له ذنوبه لرحمته بها وحسن معاملته فقال: «إن امرأة بغيا رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر فنزعت له فسقته فغفر لها» ولما سئل صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: «في كل ذات كبد رطبة أجر».

ونهى عن العبث بالطيور وفراخها، ونهى عن ترويعها، وأن يتخذ الطائر غرضاً يرمى بالسهام ولو كان لتعليم الرماية، والأحاديث في الرفق بالحيوان والنهي عن تعذيبه أو تجويعه أو ترويعه وإتعابه بالعمل الكثير كثيرة جداً. ونهى صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الدابة، فأمر بإحداد السكين وإراحة الدابة عند ذبحها، ونهى أن تذبح الدابة أمام أختها فقال: «إن الله كتب الإحسان في كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته».

ولاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الشرف الذي لا يدانيه شرف، والرحمة التي لا تدانيها رحمة، ولقد أكرمه الله وكرمه بالشفاعة العظمى عندما يجمع الله تعالى الأولين والآخرين في يوم الهول والشدة فيلجأون من شدة الكرب إلى أكابر الأنبياء ولكنهم يعتذرون ويقولون جميعاً (لست لها.. لست لها) ويسجد تحت العرش فيقال: «يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع وسل تعط».

وهو صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين يوم القيامة، وهو أول شافع ومشفع، وبيده لواء الحمد، وآدم ومن بعده تحت لوائه، وهو أول من تنشق عنه الأرض إذا بعثوا، فصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، وطبت حياً وميتاً، ونسأل الله عز وجل أن يوردنا حوضك، ويرزقنا شفاعتك، وأن نكون معك في أعلى منازل الخلد ومع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

وصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله يوم ولدت، ويوم بعثت، ويوم هاجرت، ويوم جاهدت، ويوم ودعت الأمة في حجك، ويوم ودعت أصحابك في بيتك ونظرت إليهم النظرة الأخيرة، سلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حياً.
عليك أفضل الصلاة والسلام يا سيدي يا رسول الله.

عكاظ 12/3/1430هـ