«ذوبان» مهنة الطوافة

مهنة الطوافة كبقية المهن، النجارة والمحاسبة والمحاماة وغيرها، لها مكاتب صغيرة أو ورش يملكها أحد الأفراد، أو أي نشاط تجاري يمتلك المواطن حرية كاملة في أن يبقيها مؤسسة فردية أو أن ينضم مع مجموعة ويشكل شركة، ومهنة الطوافة عمل جليل يخدم الحجاج ويقدم لهم كل التسهيلات ليؤدوا نسكهم بكل يسر وسهولة، لذا تعد هذه المهنة أعز وأشرف مهنة، والتي على أساسها تتشرف قيادة وحكومة هذه البلد في خدمة ضيوف الرحمن وسخّرت كل إمكاناتها لخدمتهم ورعايتهم.

كان من الممكن أن يتم التعامل مع «الطوافة» كما يتم التعامل مع أي مهنة حينما ترغب بالتوسع أو تحسين الخدمات، كما يحدث مثلاً الآن إذا أردت استخراج تصريح مركز طبي بعد استكمال الشروط من وزارة الصحة، تستخرج سجلاً تجارياً، كونه نشاطاً تجارياً، وهكذا بقية الأنشطة التجارية التي تتطلب استكمال الشروط، إلا أن مهنة الطوافة لم تمر بهذه المرحلة حينما كانت بنظام الأفراد، إذ لم يكن لها أي أوراق تجارية ولم تطلب وزارة الحج من هؤلاء المطوفين توثيق نشاطهم، خاصة وأنها تدخل ضمن النشاط التجاري، وحينما تحولت من نظام الأفراد إلى مؤسسات الطوافة ووزعت المطوفين على هذه المؤسسات (ست مؤسسات)، استخرجت هذه المؤسسات سجلات تجارية، وينضم تحتها آلاف المطوفين وهذا أول طريق «ذوبان» جليد المطوفين، ولو أنه سمح لهؤلاء المطوفين بممارسة النشاط بمفردهم وفق معايير وشروط لرأينا اليوم الكثير من المؤسسات الفردية التي يديرها المطوفون وأبناؤهم وبناتهم تحولت إلى شركة كبيرة وخلقت منافسة فيما بينها في تقديم الخدمات وبأسعار بـ»المتناول»، وأيضا لخلقت هذه المؤسسات الفردية العديد من الوظائف لأبناء المهنة واستوعبت الكثير منهم.

طبعاً تجربة مؤسسات الطوافة أمضت 40 عاماً وهي بشكلها التقليدي، وكذلك ممارسة النشاط بحرية مثل أي نشاط تجاري وتتمتع بها أي مؤسسة، إنما طريقة إدارتها من وزارة الحج ضيع الكثير من فرص المنافسة وتحسين أداء هذه الخدمة وتطويرها، فالاهتمام كان شكلياً وظاهرياً على حساب التوسع الرأسي، بأن تصبح كبيرة ومرجعية واحدة لهؤلاء المطوفين من خلال مؤسسات الطوافة، لكن وزارة الحج لم تلاحظ أنها بهذا التنظيم تدخلت بشكل غير واعي في مهنة الطوافة، وحرمت أبناء المهنة من التوسع.

مؤسسات الطوافة «الست» التي بقيت 40 عاماً، لم نسمع مرة واحدة خلال هذه العقود تقييماً لأدائها، أو أن مقيّماً خارجياً تقدم وأعطانا دراسة تحليلية ومفصلة، من المستفيد من هذه المؤسسات الحاج أم المؤسسة؟ الذي حدث أن الكثير من المطوفين ذهبوا إلى منازلهم ليرتاحوا وفي نهاية العام يستلموا حصتهم، وتدريجياً انتهى عصر المطوفين وأبناءهم وبقي منهم القليل، فيما التحق الآخرون بوظائف ومهن أخرى، الناس من ألقابهم تعرف أنهم من أسرة مطوفة، في حين أن الجيل الجديد لا يعرف الأسر التي عملت في الطوافة.

كان بالإمكان مثلما أن لدينا عائلات تجارية وأسماء رجال أعمال بارزين بنوا مجدهم الاقتصادي، أن يكون بيننا مطوفين كبار وأسماء لامعة في خدمة الحجيج.

قبل أسابيع قرات خبراً لفت انتباهي، مفاده أن مجلس الشورى يوافق على تحويل مؤسسات الطوافة إلى شركات، وقبلها في أيار (مايو) الماضي أصدر وزير الحج والعمرة الدكتور محمد بنتن قرارا باعتماد التخصيص الجديد لأسهم المساهمين بمؤسسات أرباب الطوائف، قرار وزير الحج بخصوص المطوفين لا يزال غير محفز لظهور جيل جديد من المطوفين متوارث ويخدم المهنة، الغاية فقط أن تكبر وتصبح شركة ذات رأسمال كبير، إلا أنها لم تمنح حرية للمطوف أن يكبر مع مؤسسته الفردية ويديرها أبناؤه وبناته من بعده، وحينما تصبح شركة مساهمة فهي بذلك قضت على المهنة و«قراءة الفاتحة» على روح المهنة، لأنها تدريجياً ألغت الطوافة وتحولت مثل أي شركة، الناس لا تنظر إلى المساهمين أو المؤسسين، سينظر إليها أنها شركة خدمات الحجاج.

في كثير من المهن حينما تنشأ شركة كبيرة مساهمة أو مغلقة، لا يعني أنك تلغي المؤسسات الصغيرة في المهنة نفسها، فتأسيس شركة كبرى للمواشي مثلا لا يعني أنك تلغي مؤسسات المواشي الأخرى التي يديرها الأفراد، وكذلك بقية المهن والأنشطة التجارية الأخرى، وزارة الحج بتحويل مؤسسات الطوافة إلى شركة مساهمة فهي تلغي المهنة وتذيبها تدريجياً، ومع مرور الزمن لن يكون هناك مطوفين ولا مهنة طوافة، ستكون هناك شركة كبرى لخدمة الحجاج، وهذا في اعتقادي خطأ فادح من وزارة الحج والعمرة أنها لم تستطع حفظ هذه المهنة من الزوال ولم تساعد على أن تتوسع أفقيا بما يساوي عموديا.

كنت أتوقع أن تكون وزارة الحج جهة منظمة لمهنة الطوافة وليست مشرعة، فالقانون الذي صدر في عهد الملك عبدالعزيز بالحفاظ على مهنة الطوافة والمطوفين أكد أن على وزارة الحج أن تعمل على تنظيم هذه المهنة وتطويرها وليس إلغاءها أو تفتيتها.

لو تم إنشاء غرفة أو نقابة للمطوفين على غرار الغرف التجارية أو نقابة السيارات وينضوي تحتها كل المطوفين، لساعدت الوزارة على خروج بمهنة الطوافة بصورة مختلفة، وسيعين الحاج أيضاً في الحصول على أسعار منافسة وخدمة جيدة، كان المؤمل من وزارة الحج أن تخرج لنا بمنتجات عدة من مهنة الطوافة، وأن تحرص على الحفاظ بهذه المهنة والعاملين فيها، كما أن تنوع طرق تقديم الخدمة يعطي للعمل جودة وخيارات متعددة أمام الحاج.

أمام مجلس الشورى فرصة لبحث الموضوع بمزيد من التمعن، ونحن مع إيجاد أو ظهور شركات كبرى للحج، إلا أننا لسنا مع إلغاء المهنة وتذويبها، وحينما تؤسس شركة كبيرة لا يحق لك - نظاماً - أن تلغي النشاط نهائياً، وقيام أو تحويل مؤسسات الطوافة إلى شركات مساهمة هو احتكار وإلغاء للمهنة وغياب روح المنافسة.

في موضوع مصير مهنة الطوافة لا يمكن أن تستفرد وزارة الحج بقراراتها من دون الرجوع لأصحاب المهنة أو مناقشته بشكل واسع، الأمر الذي يحفظ حقوق العاملين، فوزارة الحج هي جهة منظمة مهمتها الحفاظ على المهنة وليس محاولة تطفيش المطوفين أو إبعادهم، وإذا ما عدنا للخلف فإن المطوفين كانوا موجودين قبل تأسيس وزارة الحج، ما يعني أن دورها تنظيمي وإشرافي.


* كاتب وصحافي اقتصادي. | صحيفة الحياة 28 يناير 2019  م