ورحل المربي الفاضل محمد نور

 

لا أدري من أين أبدأ، فمقالتي لها بداية وليس لها نهاية، لذا سأختصرها، فهي مقالة رثاء لواحد من أبناء مكة المكرمة البررة، رجل أحببناه في الله فكان من أقرب الناس وأعز الناس وأحب الناس إلى قلوبنا.

أخاطبك يا سيدي ورفيق دربي وأستاذي ويا أخي محمد نور قاري لأسألك..وكيف أسألك وقد رحلت عنـا ! لكنني سأخاطبك لأنك ما زلت بجانبي، ما زلت أشعر بوجودك معي ، وما زلت أراك تروح وتجيء بيننا ، أتذكر يا صديقي محمد نور، أول لحظات تعارفنا في المرحلة الابتدائية بمدرسة الفلاح بمكة... لقد كنت على الرغم من عمرك الصغير، شامخا في تعاملك معتزا بنفسك متواضعا مع الجميع في الفصل.

أتذكر فيصل مداح وحسين باشهاب وعادل رضوان وعمر أبورزيزة وعلي عطاس وعبدالعزيز حداد ومحمد زين الدين وجمال عريف ؟ أتذكر مديرنا السيد محمد رضوان وأساتذتنا محمد بنجر وعبدالرحمن دوم والسيد علوي المالكي والشيخ محمد نور سيف؟ أتذكر بائع التميس والجبن البلدي عم حسن صفطة؟ أتذكر يا صاحبي كيف ترعرعنا سويا داخل أسوار مدرسة الفلاح تلك المدرسة العريقة التي أسسها الحاج محمد علي زينل؟ أتذكر يا سيدي كيف انتقلنا من مرحلة إلى أخرى حتى وصلنا إلى الجامعة وبعدها عملنا في حقل التربية والتعليم؟ إنها ستون عاما يا صاحبي، ستون عاما من الود والاحترام والتقدير والحب والأخوة الصادقة.

أتذكر يا رفيق دربي كيف كنت (البرنجي) (الأول) علينا في الفصل بتفوقك في الدراسة كما كنت الأول علينا في الفضل.

لقد كنت تنظم فصلنا ونحن سعداء بقيادتك لنا، وكنت تدعونا لعمل الصحف الحائطية التي كنت تشرف عليها.

أتذكر كيف كنا نقلدك في (الخط العربي) لأنك كنت أحسننا خطا؟ أتذكر مجالسنا الرمضانية ونحن في المرحلة المتوسطة، التي كنت تشرف عليها وتنظمها وتضمنها الشعر والمسرحيات؟ أتذكر كيف كنت ترتب لنا رحلاتنا إلى الهدا والشفا والقديرة والردف وجدة والمدينة المنورة التي كنت تشجعنا على زيارتها مرارا وتكرارا على مدار العام؟ أتذكر يا صديقي كيف كنا نذاكر سويا في حصوات المسجد الحرام وأروقته التي لم تغب عنا طيلة أيامنا، بل كنت من أكثرنا حبا وتمسكا بالمسجد الحرام، وبقيت تتواصل معه حتى قبل لحظاتك الأخيرة؟ أتذكر يا صديقي كيف كنا نتحلق سويا حول مشايخنا (السيد علوي المالكي والشيخ محمد نور سيف رحمهما الله) في حلقات علمهم في المسجد الحرام؟ أتذكر كيف كنا نرتاد (مركازك) الشهير أمام باب الملك عبدالعزيز في دكاكين رباط البخارية الذي كان يضم الأدباء والشعراء وأصدقاءك الفلاحيين؟ لم يكن (مركازا) عاديا، فقد كان ملتقى ومنتدى أدبيا وعلميا وإعلاميا...أتذكر يا صديقي (مركاز) العم عبدالله بصنوي الذي كنت أحد أعمدته...بل كنت واحدا ممن يرتادون الكثير من (مراكيز) مكة ومجالسها ومنتدياتها، التي كنت واحدا من روادها المشهورين، إن لم تكن أحد مؤسسيها؟ أتذكر حضورك الدائم وتواصلك مع المجتمع، فتشاهد مرة في إثنينية عبدالمقصود خوجة ومرة في ملتقى الأحبة وأخرى عن منتدى السرحان ومرة نراك في منتدى باشراحيل؟ كما نراك في مجالس العلم عند السيد محمد علوي المالكي وابنه من بعده السيد أحمد كما كنت دائم التواجد لدى السيد عباس المالكي رحمه الله وفي ملتقى البردة وعند الشيخ الدكتور محمد الزين وبمنتدى الأستاذ حسن فيلالي، وفي منتديات كثيرة لا تحضرني أسماؤها؟ ونراك تزور هذا وتعود هذا وتعزي هنا وتحضر فرح فلان هناك.

لم تكن يا سيدي شخصا عاديا، بل كنت أستاذا وأنت لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرك.

وعندما أصبحت رجلا كنت مدرسة! نعم يا سيدي كنت مدرسة في التواضع ومدرسة في الوفاء، مدرسة في صلة الرحم والتواصل مع الأصدقاء كنت مدرسة عظيمة في المروءة وحسن الخلق، وكنت مدرسة في التربية والتعليم.

لقد تألمت مكة المكرمة لرحيلك، فقد كنت لها ابنا بارا خلوقا عطوفا مؤدبا، لقد فقدك الميدان التربوي أيضا مربيا فاضلا صادقا مخلصا.

إن الجموع التي شيعتك لمثواك الأخير، لم تأت لتودعك، بل أتت وألسنتها تتذكرك وتثني عليك، تتذكر مواقفك ومآثرك الإنسانية والاجتماعية والأسرية والتربوية.

لقد كنت واحداً ممن لا يجود الزمان بمثلهم كثيرا، فهنيئا لك الذكر الطيب وهنيئا لنا أننا كنا ممن عرفوك وتتلمذوا على يديك، وهنيئا لأبنائك بك أبا حنونا ووالدا عطوفا، وهنيئا لمن ساروا في دربك، فقد تعلموا منك حسن التعامل وكريم الخلق وعظيم الصدق وجميل التواضع.

لن ننساك أيها الحبيب ولن ننسى سيرتك العطرة، ونسأل الله عز وجل أن يكتبك من الشهداء وأن يجعلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وأن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى من الجنة مع حبيبنا ونبينا وقدوتنا سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، في مجلس صدق عند مليك مقتدر.

صحيفة مكة 1436/12/25هـ