الانتصار العظيم في بدر

 

منذ أن خرج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، وهو ينتظر وعد ربه بالنصر على عدو الله وعدوه ، من لا يريد للإسلام وجوداً وانتشاراً، وفي السنة الثانية من الهجرة بعد أن استتب الأمر لدولة سيدي رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة وجه أصحابه رضوان الله عليهم أن يترقبوا قوافل قريش العائدة من الشام علهم يستردون ثمن أملاك لهم استولى عليها المشركون بمكة ، فقد بعث صحابيين جليلين يستقصون له خبر قافلة لقريش كان عليها أبوسفيان وهي عائدة من الشام ، ثم أرسل رجلاً ليأتيه بأخبار القافلة وما فيها من الأموال، فقال لأصحابه بعد أن جاءته المعلومات كاملة عنها: هذه عير قريش فيها أموالكم لعل الله ينفلكموها ، ولم يوجب على أحد الخروج، ولم ينكر على أحد تخلف عن هذه المعركة، ولم يكن قصده قتال قريش، وكما ورد في القرآن: (وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ* لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ) فما خرجوا إلا للقاء القافلة (الطائفة غير ذات الشوكة) ولكن أراد نصراً للإسلام يوقع الرعب في نفوس أعدائه لينصر عبده ورسوله بالرعب مسيرة شهر كما ورد في الحديث، فكانت المعركة الفاصلة الأولى في تاريخ الإسلام: أن تقاتل فئة قليلة لم تزد عن الثلاث مائة إلا قليلاً، ليس لها من أدوات الحرب إلا القليل، معهم فرسان وسبعون جملاً، حتى وهم في طريقهم لأرض المعركة، يتناوب الثلاثة الركوب على جمل واحد، واستحدث لهم قريش التي بلغها نبأ خروجهم بألف ويزيدون من المقاتلة ومعهم مائتا فرس، أما الإبل فلا يحصيها العد، منها ما أعد للركوب، ومنها ما أعد لينحر ويطعم منه الجيش، ورغم أن أبا سفيان أخبرهم أن أموالهم نجت ورجا أن يعودوا إلا أنهم لم يصغوا إليه، لأمر أراده الله أن ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، ولتصبح تلك المعركة معركة لا مثيل لها في التاريخ، القلة التي لا تمتلك من السلاح وأدوات القتال إلا القليل، لتقارع أضعافها ومعهم كل ما يعد للحرب من أدوات فتهزمهم الهزيمة النكراء، وينجلي غبار المعركة عن قتل سبعين رجلاً مقاتلاً من قريش، ويؤسر منهم سبعون أيضا، وتفر البقية عائدة من حيث أتت بفضل من الله ومنة، فالله يقول: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إشارات للنصر أعانتهم على الثبات، منها المطر الذي نزل عليهم وأمنة النعاس حين أشعرهم بالطمأنينة، وحين جعلهم يرون أعداد المقاتلين من أعدائهم قليلة، وجعل عدوهم يراهم كثيراً، وما أمدهم به من الملائكة يقاتلون معهم عدوهم كما قال الله تعالى: (إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ* وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ).

فكان النصر حاسماً ألقى الرعب في قلوب أعداء الإسلام، واطمأن الناس بعده لما دعاهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتحق بالمسلمين بعدها الآلاف وكانت خسارة جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم قليلة، وقد قال: (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ووقعت بدر في 17 من رمضان فغفر الله للمهاجرين والأنصار الذين قاتلوا وانتصر بهم الإسلام في أشهر معاركه، ورحم سادتنا شهداء بدر التي كانت دماؤهم ثمناً لنصر عظيم للإسلام، وما هي إلا ذكرى ليوم من أيام الله جعل فيه للإسلام وأهله خيراً كثيراً.

المدينة 1436/9/17هـ