رحم الله الفؤاد

 

لا أعتبر نفسي متجاوزا، وأنا أؤكد أن طلاب العلم في مكة المكرمة أصبحوا الخميس الماضي على خبر من أكثر الأخبار حزنا عليهم، ألا وهو انتقال فضيلة الشيخ الدكتور فؤاد بن محمود سندي إلى رحمة الله.

الفقيد الراحل يعد أحد العلماء والمربين الكبار، ومن الذين استطاعوا أن يجسدوا للمجتمع وبكل وضوح، كيف أن الإنسان كلما ازداد تمكنا من علمه ازداد تواضعا، وازداد قربا من الناس، وازداد زهدا في عالم الأضواء. كل طلاب الدكتور الذين درسوا على يديه في المدارس يعترفون بفضله عليهم، ويشهدون له بتشجيعه المستمر لهم، وتحبيبه اللغة والأدب إلى قلوبهم، كل ذلك يفعله مع ابتسامة لا تكاد تفارقه. شخصيا عرفت الراحل في مجالس العلم، وأتذكر ارتياده لها، وكانت لي فرصة استضافته مرات عديدة في لقاءات علمية متعددة، وكان دائما ما يترك في الحضور أثرا مستمرا، إن بالفوائد اللغوية التي تنساب منه بكل سلاسة، أو بالطريقة الجميلة التي ينتهجها في الحديث.

الدكتور - رحمه الله - بعد مرحلة تقاعده، وتحرره من الروتين لم يركن إلى (القعود)، بل بدأ بعدها، وخلال أربعة عشر عاما مشوارا علميا مميزا، أخرج فيه للمهتمين جل علومه التي نهلها من حلقات المسجد الحرام، والمعهد العلمي السعودي، وجامعة الملك سعود، وجامعة الأزهر التي نال منها درجة الماجستير في النحو والصرف، فالدكتوراه في اللغويات مع مرتبة الشرف قبل ثلاثين عاما.. أضاف الدكتور للمكتبة الإسلامية مجموعة من الكتب الرائعة، ومنها (من لطائف التعبير القرآني)، و(قبسات من إعجاز كلام الله في سيرة كليم الله سيدنا موسى عليه السلام)، و(لمسات من إعجاز كلام الله في سيرة كلمة الله سيدنا عيسى عليه السلام)، و(من عجائب القرآن اللغوية)، وموسوعة (المنتقى من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في ضوء كتاب الله) سبعة أجزاء، وآخر المطبوع (دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وبناؤه المسجد)، وكلها - وغيرها - كتبها بطريقة لا يقوى على تناولها إلا من مكنه الله - سبحانه وتعالى - في البلاغة وعلوم القرآن.. من المشاركات التي أثرى بها الدكتور مجتمعه برنامجه الإذاعي (لمحات لغوية من القرآن الكريم)، كذا العديد من البرامج المتلفزة التي أظهرت اجتهاد عالمنا الكبير في تمكين جماليات اللغة في الناس، وتقريب سير الأنبياء في النفوس، وتوصيل علوم القرآن إلى عقولهم..

اليوم نودع طودا شامخا، وعالما فذًّا لم يأخذ نصيبه من الشهرة التي نالها المحظوظون غيره، وهذا يقينا لن يضيره أبدا، فمن زرع في هذه الدنيا علما نافعا سيحصد في الآخرة خيرا كثيرا.. نودع اليوم هذه الثروة الكبيرة بعد أربعة وسبعين عاما حافلة بكل بركة في الوقت، نودعه وفي ذمة طلابه ومحبيه إكمال طباعة مجموعة من مخطوطاته الجاهزة، ومن أبرزها الجزء الثاني من كتاب (من عجائب القرآن اللغوية)، والجزء الثاني من كتاب (العهد النبوي المدني.. المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار)، وكتاب (اللَّبس محذور في النحو العربي)، وإعادة طباعة ما نفد من مؤلفاته، وعمل مكتبة إلكترونية تجمع مناشطه المختلفة.

رحم الله الشيخ فؤاد سندي رحمة واسعة، وألهم رفيقة دربه السيدة الفاضلة فايقة بنت شيخ تجار مكة المكرمة في وقته الشيخ طه ياسين خياط، وابنه عبدالله، وشقيقتيه، وقرابته، وسائر محبيه الصبر والسلوان، وجازاه عن العلم وطلابه خير الجزاء.

صحيفة الوطن 2015-04-12