وللحج ذكرياته

فتشت بعض شقيقاتي في صفحات الأيام، فوجدن أنفسهن يستعدن بعض الذكريات البريئة عن أيام الحج وسنواته؛ التي كنا نعيشها كإحدى عوائل المطوفين، ولم أقف عند حدود ما تذكرنه، لأن لي في مواسم الحج صولات وجولات، ورغم ما صاحب الكثير منها من تعب وعناء، لكنها أيام جميلة مفعمة بإحساس خدمة ضيوف الرحمن ورعايتهم، ولم يكن المطوف يقف وحده في الميدان، بل كانت كل العائلة تعيش الحالة، الصغار والكبار معًا، وكانت للعائلة مشاركات فاعلة وخاصة في ضيافة الحجاج حديثي القدوم، حيث تقدم لهم أفضل المأكولات والمشروبات لمدة ثلاث أيام بلياليهن، خاصة إن كان في منزل العائلة مساحات كافية، ثم ينتقلون إلى السكن الخاص بهم، حتى يحل موعد رحيلهم إلى المدينة المنورة أو ديارهم بعد انتهائهم من أداء فريضة الحج.


ذكريات الحج بالنسبة لجيلنا من أهل مكة المكرمة ليست مرتبطة بأداء الشعائر والمناسك فحسب، لكنها تعيدنا إلى أيام جميلة تخص الذين لم يُكتَب لهم الحج وخاصة النساء والأطفال، فمن المعروف أن النساء كن ينظمن برنامجا ترفيهيا دون تدخل أي جهة رسمية ولا مؤسسة مجتمع مدني (لأنها لم تكن موجودة أصلا) ولعل برنامج (ياقيس ياقيس) من أبرز تلك الفعاليات الاجتماعية، فكان النساء والأطفال يجتمعن بأعداد غفيرة في حي المسفلة في منطقة أشبه بالحديقة العامة، وكانت البهجة والفرحة عامة للصغار والكبار، ولعل ذاكرتي لا تخونني حيث لم يبق فيها إلا لمحات بسيطة من القيس، لكن ما أتذكره بقوة هو جو البهجة وما يتبقى منها بعد عودتنا للبيوت!!


ومن أبرز ملامح تلك الفترة عدم توفر أية مخابز أو بقالات (دكاكين) أو محلات خضار أو جزارين، فكل الأسواق مغلقة، ولذلك كان من عادة أهل مكة أيام (الخليف) تخزين أكبر كمية من (الشابورة) والجبن والزيتون والحلاوة الشامية والطرشي، فهذه مكونات الوجبات الثلاث طيلة أيام الحج (الخليف)، ومعظم العائلات كانت تجهز كميات كافية من المعمول والغريبة وتخبزها في الأفران القريبة منها لأنه لم يكن في البيوت أفران، ولا أدري كيف كنا نستمتع بتلك المأكولات الجافة (النواشف) في الوجبات الثلاث دون تأفف أو تضجر، ونحمد الله عليها بكل قناعة، في حين أننا اليوم لا نكاد نقنع بما بين أيدينا من موائد دسمة ومتنوعة، لكن القناعة التي كانت تسكن النفوس (أيام زمان) جعلتها اليوم ذكريات جميلة نستعيدها ونشكر الله على كل الأحوال التي مرت بنا في مجتمعنا، ونحن أحوج إلى رفع أكف العرفان والثناء على الله الذي وهبنا من خيرات الدنيا اليوم ما يستحق دوام الحمد والشكر.

المدينة 1434/12/13هـ