غزوة بدر الكبرى

مرّ علينا قبل عدة أيام يوم عظيم وهو السابع عشر من شهر رمضان المبارك وهو يوم ملحمة بدر الكبرى التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، والتي نصر الله فيها رسوله ومصطفاه نصرا مؤزرا، فكانت لنا بدر نوراً ونبراساً يستضاء به ودليلاً قاطعاً يشهد على صدق إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا استجابة لدعوة نبيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم وتركوا المال والأهل والولد حبا في الله ورسوله، وجهادا في سبيله، وطمعا في الحصول على الحسنيين فمنهم من قضى نحبه ومنهم من بقى ليسهم مع سيد البشرية جمعاء في نشر تعاليم هذا الدين الحنيف.


بدر الكبرى ليست موقعة ككل المواقع، ولكن تمثل فيها صدق اللقاء ومناصرة الحق، والدفاع عن الرسالة العصماء، ورفقة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه في أول موقعة في الإسلام، حيث تمثل فيها صدق التوجه إلى الله، وطلب الشهادة فداءً لرسول الله، ومنحت فيها الأوسمة والجوائز التي شرف الله بها عباده المؤمنين وهي من أعلى الأوسمة في تاريخ البشرية جمعاء، كما ورد في الحديث الصحيح: ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: }« اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» { مسند أحمد، وشهادة رسول الله لهم صلى الله عليه وسلم حين قال: }اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم ان تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»{صحيح مسلم.


وقد حفظ القرآن العظيم لنا يوم بدر في آيات عديدة، شُرح فيها ذلك الحدث العظيم، حتى نكون على صلة دائمة بذلك الحدث، وتكون أحداثها قرآنا يتلى إلى يوم يبعثون، ومن آياتها: نزول المطر، ومدد الملائكة لتعزيز العدد وسد النقص في صفوف المؤمنين، 313 مقاتلا مقابل 1000 مقاتل من مشركي قريش بكامل العدة والعتاد، حيث يصورها لنا القرآن الكريم بقوله عز وجل }« إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين» { آل عمران 124- 125، وفي هذه الغزوة بُشر المصطفى بالنصر المبين.


يجب أن لا يمر علينا يوم بدر كسائر الأيام، فنحن نحتفل بمناسبات عديدة بعضها أسابيع، وبعضها أيام، من أجل الذكرى سواء على النطاق المحلي أو الإقليمي أو الدولي، ونهتم بتواريخها، ونتابعها، ولا تمر المناسبة دون الإشارة إليها، ونسينا أو تناسينا أيامنا الخالدة، وذكرياتنا التي أعزنا الله وأكرمنا بها، وحفظها لنا القرآن الكريم حتى نشنّف بها أسماعنا بآياتها العظيمة، وعلو مكانة أصحابها التي وثقتها الأحاديث الشريفة، وما زالت شواهدها - التي دارت حولها المعركة - قائمة خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في محافظة بدر التابعة لمنطقة المدينة المنورة.


لنا دعوة صادقة لوزارة التربية والتعليم وللهيئة العامة للسياحة والآثار بأن يكون هناك رحلات ميدانية لأبنائنا الطلاب لزيارة هذه المناطق والوقوف عليها وشرح معالمها لطلابنا الذين يجهلون الكثير من تاريخهم وإرثهم الإسلامي المجيد، والنظر إلى ما سطره لنا أولئك النفر من ملاحم عظيمة بقيادة سيد البشر أجمعين لإعلاء كلمة الله ونشر تعاليم دينه الحنيف.


نريد رحلات إيمانية للصغار والكبار لرؤية هذه المعالم التي لا يوجد لها مثيل في أي بقعة على وجه الأرض، يشرح لهم فيها آثارنا الخالدة لموقعة بدر مثل: العدوة الدنيا وكثيب الحنان حيث تمركز جيش المسلمين مما يلي المدينة المنورة شمالي بدر، والعدوة القصوى وجبل كراش ووادي الصفراء مما يلي مكة المكرمة حيث تمركز جيش المشركين، ومسجد العريش الذي وقف عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم لقيادة وتوجيه المعركة، ووادي بدر (الخشبي) الذي يفصل بين جيش المسلمين وجيش المشركين، وجبال الملص التي تملّص من خلفها أبو سفيان ونجا بالقافلة، والجبل الأصفر المكسو بالتربة الرملية المنقولة حيث يوجد عند أقدامه مقابر شهداء بدر- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - وكثير من المعالم - التي لا يسعها هذا المقال المحدود - التي تدلل على عظمة هذه المعركة، وعظمة قائدها، وجنودها البواسل المؤيدين من الله، ولعل إبراز دور هذه المعارك له أثر عظيم في نفوس الزائرين (خاصة الناشئة منهم) وربطهم بماضيهم التليد، والحرص على نشر تعاليم الدين الحنيف الذي عم نوره أرجاء المعمورة والذي لم يأت بالتمني على الله، ولكن بالعمل الجاد، والنية الصادقة، وحمل الأمانة، ومشقة العمل لنشر كلمة الحق والوصول بها إلى البشرية جمعاء، والتي سار على نهجها السلف الصالح والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وهذه والله جزء من التنمية الإيمانية لمستدامة التي يسعى لتحقيقها الجميع.

المدينة 1434/9/26هـ