تعظيم البلد الأمين !!

 

لمكة المكرمة خصائصها التي تفوقت بها على كل الدنيا.. كلها مشاهد وأحداث ومواقف غيرت وجه الدنيا.. وأضافت إليها قيما عظيمة مختلفة. ففي كل حدث شهدته مكة لاتزال آثاره شاخصة تحكي ما حدث.. فهذا مولده ومن هنا بعثته، وهذا جبل نزل عليه جبريل.. وفي هذا الوادي كان يرعى غنمه.. وفي هذه الدار كان يجتمع مع صحبه.. من هنا دخل جيش الفتح.. من على الكعبة أذن بلال فتجاوبت الدنيا تردد الله أكبر.. ومن على جبل الصفا وقف محمد ليقرر مبدأ إسلامي عظيم مناديا أهله إنني لا أغني عنكم من الله شيئا.. فكل إنسان مسؤول عن نفسه وتبعات عمله. في هذا الشعب حوصر.. من هنا خرج مهاجراً.. وفي هذا الغار اختبأ.. ومن فوق جبل النور أعلن التوحيد وانتشر النور وأرسى قواعد جديدة لحياة بشرية أفضل وأكمل. هذه مكة.. عظمها الله يوم خلق السموات والأرض.. تهوى إليها قلوب الخلق.. ضمن لهم رزقهم ومعاشهم.. «أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف».. يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام لاتزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة يعني الحرم فإذا ضيعوا ذلك هلكوا.. مكة كلها مشاهد حية تحكي على الواقع ما كان يدور في المواقع.. وكأنه حدث اليوم حفظ الله آثار نبيه وجغرافية المكان كما هو لتزداد هذه البقعة المباركة بركة في ميزة لم تعط لنبي من قبل.. يوم الفتح ورايات النصر تخفق فرحا بدخول مكة تحف به كتائب الإيمان تهلل وتكبر.. يختار رسول الله معسكره في الحجون أمام قبر أم المؤمنين السيدة خديجة ويأمر بنصب خيمته أمام قبرها الشريف ويأمر برفع راية الفتح، ويقول حتى ترى خديجة نصرنا وتفرح معنا، ذلك النصر الذي كانت تبشر به وأسهمت في تحقيقه.. فقد عاصرت البدايات ووقفت معه وآزرته ونصرته بمالها وجاهها وعزوتها.. فما جزاء الإحسان إلا الإحسان بل وأكثر. الأسبوع الفارط وأنا أقف أمام قبر أم المؤمنين خديجة دخلني التاريخ بكل أحداثه وشخوصه حتى أني لم أشعر بدرجة حرارة المكان والتي تجاوزت الخمسين درجة، لندفن إنسان عزيز فقدناه. شريط طويل من الأحداث بعبق الماضي وشموخه.. مقابر المعلاة التي تضم رفات بعض صحابة رسول الله وآل بيته وكبار التابعين وأجدادنا وآبائنا وأمهاتنا وأعزاء علينا.. أودعناهم بأيدينا هذه الأرض الطيبة إلى يوم يبعثون.. فكان لزاما أن تكون لهذه البقعة طهارتها ونقاوتها وقدسيتها. فوجئت وأنا أدخل من البوابة الشمالية لقبور المعلاة وعلى كوبري الحجون والذي يعانق هذه المقابر، ويقع بعضها تحته مباشرة.. نصبت ثلاث لوحات كبيرة من شركات الاتصالات المختلفة.. تلقي بظلال إعلاناتها على شواهد القبور القائمة وكلها تدعو إلى مشاهدة مباريات كرة القدم من مصدر واحد.. إضافة إلى باقة ثانية لشركة اتصالات أخرى.. والحبل على الجرار، فلازال في الكوبري مكان لمزيد من الإعلانات.. تأملت المكان وعظمته وتفاهة اللوحات وما حوت.. فهذا ليس مكانها.. ألا يكفيهم ما يأخذونه من جيوب المواطن والمقيم!!.. ألا تكفيهم هذه المساحات الإعلانية التي يحتلونها!!.. ألا يكفيهم الفضائيات والتي لا تفتر تذكرنا بخدماتهم وقوتها وسرعتها.. وليتها كانت صادقة!!.. تساءلت أين الجهات الرقابية عنهم؟.. من أعطى لهؤلاء الحق في تعليق هذه الإعلانات لتعانق عين الداخل إلى أول عتبات الآخرة؟.. أين هذه الشركات وغيرها من المساهمات الخيرية؟.. لماذا لا تغطى ممرات المشاه بمظلات تقيهم لهيب الشمس وحرارة الجو؟.. لماذا لا تعمل مظلات للانتظار تقي المشيعين خاصة كبار السن وجع الانتظار تحت الشمس المحرقة وقوفا على أقدامهم؟.. لماذا لا تقوم بتركيب ثلاجات مياه باردة لإرواء العطشى؟.. لماذا لا تبني مواقف متعددة الأدوار لوقوف هذه السيارات بدلا من أن تعتلي الأرصفة وتسد الطرقات؟.. شركات قادرة ليس لها من الخدمة الاجتماعية شيء يذكر .. أفضالها على الأندية ولاعبي الكرة عبر البحار.. أما هنا فيضيق الإحسان. عيوننا على الدولة.. نريد منها أن تقوم بكل الأشياء .. رجاء.. لا أدري أرفعه لمن؟!!.. هل لمعالي أمين مكة المكرمة؟.. أو مشروع تعظيم البلد الحرام؟.. أو لإمارة مكة المكرمة؟.. أم لمجلس المنطقة؟.. مكة المكرمة عظيمة في عين الخالق وهي كذلك في عيون المخلوقين.. ليس كمثلها شيء في الدنيا.. لابد من مراعاة وضعها المقدس.. لابد من رقابة صارمة على إعلانات الشركات فيها.. وعلى بعض الممارسات الخاطئة التي تحدث. 
انزعوا هذه اللوحات الدعائية من على كوبري الحجون ومن أمام الحرم.. عظموا المكان.. احترموا هيبة الموت.. قدموا من فضول أموالكم.. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

عكاظ 1433-19هـ