رحم الله صديق العمر

بقدر ما تألمت واحترق فؤادي بوفاة الصديق الحبيب والكاتب الكبير محمد صلاح الدين الدندراوي، كان سروري بذلك موازياً!


فلقد كان الأستاذ الأديب محمد صلاح الدين رفيق مشوار طويل تبلغ عدد سنواته ثلاثة وخمسين عاماً، وذلك عندما حضرت حفل عشاء أقامه الصديق عبدالله الداري عام 1377هـ بمناسبة انضمام الأستاذ محمد صلاح الدين للعمل في جريدة «حراء» التي يصدرها الأستاذ الكبير صالح محمد جمال عليه رحمة الله.
ومن تلك الليلة وحتى رحيله إلى دار الخلود ظلت علاقتي في كل يوم، وعاماً بعد عام تزداد عمقاً ورسوخاً، وهذا ما جعله واحداً من خمسة أصدقاء لم تعكر علاقتنا أية شائبة أو خلاف.
نختلف صحيح، ولكن ليصحح كل منا للآخر وجه الحق فيما يرى.


ولقد كان مرضه ــ رحمه الله ــ مفجعاً لكل من عرفه، وفراقه بعد أن أمضى في العلاج ما يقارب ثمانية أشهر أصعب وأكثر من مؤلم، فقد كان علماً بين الكتاب وأديباً فيما يكتب أو يتحدث، أو يوجه من عمل معه في «حراء» أو «الندوة» ثم في «المدينة».

ثلاثة وخمسون عاماً تعلمت منه الكثير وإن لم أعمل معه!
فقد كان عمله في حراء والندوة والمدينة بينما اقتصر عملي على العمل في جريدة «البلاد السعودية»، «فالبلاد»، «فعكاظ»، ومع ذلك أعود فأؤكد أنني تعلمت منه الكثير، وتلقيت عنه من أصول الحوار وما هو أكثر، وذلك من خلال صباح كل يوم خلال التدريب الرياضي في النادي الصحي (أولمبيا) في مستشفى الدكتور سليمان فقيه صباح كل يوم من ناحية، واتصالاتنا الهاتفية التي لم تنقطع صباح مساء كل يوم وليلة لذلك كان فراقه صعباً قاهراً كما قلت في مستهل الحديث، أما السرور الذي تغشاني بعدما أفقت من هول الصدمة عندما أبلغتني السيدة الفاضلة زوجته التي كانت سنداً له في مشوار حياته وعانت الأمرين خلال رحلة المرض ولها من الله الأجر وحسن الثواب.

عندما أفقت من الصدمة حمدت الله على أن عودته للمملكة جاءت في الوقت المناسب لئلا يتعذب في الإجراءات التي تقتضيها مرحلة نقل الجثمان للمملكة، وليس هذا فحسب فلقد كانت وفاته عليه رحمة الله يوم الاثنين وهو يوم كريم. وفي التاسع والعشرين من شهر رمضان التي هي آخر ليلة من ليالي العتق الذي يمن الله به على عباده، ثم الصلاة عليه في المسجد الحرام الذي كان ممتلئاً بالمعتمرين والطائفين والمصلين من جميع أطراف الدنيا، ليوارى جثمانه بعد ذلك في جنة المعلاة في مكة المكرمة وبحضور جمع من أصدقائه الخلص الذين رفعوا أكف الضراعة إلى الله وهم يؤدون الصلاة عليه في المسجد الحرام أن يتقبله مع عباده الصالحين وأن يدخله جنات النعيم ويجعله من الذين سبقت لهم منه ــ جل جلاله ــ الحسنى، وأن يلهم أسرته ومحبيه الصبر وجميل العزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عكاظ 1432/10/8هـ