الإعلام في عهد الملك عبد العزيز.. مهنية متقدمة في ذاكرة خالية من أي موروث لأبسط وسائل الاتصالات

 


رغم أن الملك عبد العزيز عرف عنه عزوفه عن الأضواء وعدم اهتمامه بالوسائل الإعلامية لتمجيد شخصه وإنجازاته، فإنه كان يدرك ببعد نظره وثاقب بصيرته أهمية دور الإعلام في المحافظة على مملكته التي أسسها.

واستشعر الملك المؤسس بعد رحلة كفاح طويلة لتوحيد البلاد أهمية دور الإعلام في ظل ظروف صعبة ودقيقة لأمة كانت تفتقر إلى أبسط وسائل الإعلام ولا تختزن في ذاكرتها أي موروث مادي له - كما عبر عن ذلك الراحل إبراهيم العنقري، وزير الإعلام السعودي في بداية ومنتصف السبعينات الميلادية والمستشار الخاص للملك الراحل فهد بن عبد العزيز فيما بعد، خلال تقديمه كتابا يعد نادرا أنجزه الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، وسلط فيه الضوء على بدايات وسائل الاتصال السعودية وعنونه بـ«الملك عبد العزيز والإعلام».

وتناول الدكتور الشبيلي في الكتاب الذي أنجزه قبل سبع سنوات ويعد من أوائل الدراسات التوثيقية لبدايات وسائل الاتصال السعودية، الظروف الثقافية والتعليمية والاقتصادية السائدة، ووسائل الاتصال التقليدية الشائعة، وبداية ظهور وسائط النقل والاتصالات الحديثة، وبداية استخدام مكبر الصوت (الميكروفون)، ونظرة الملك عبد العزيز إلى الإعلام، كما رصد الكتاب تاريخ الصحافة السعودية ونظام المطابع والمطبوعات والنشر والمكتبات، والإعلام الخارجي، معرجا فيه على الحديث عن الصحافيين السعوديين وراء الحدود، والصحافيين العرب والأجانب من المقيمين في السعودية، كما تناول الكتاب التصوير الفوتوغرافي والسينمائي وبداياته في البلاد، مع رصد لبدايات جلب أجهزة الراديو والتسجيل والرسوم المفروضة على هذه الأجهزة، وكيفية رصد الإذاعات في الديوان الملكي أيام الملك المؤسس، كما تحدث الكتاب عن تأسيس الإذاعة السعودية، وختم الكتاب بملاحق عن التنظيمات الإعلامية الصادرة في تلك الفترة.

وسنكتفي هنا بإيراد الجوانب المتعلقة بالصحافة والإذاعة السعودية في تلك الفترة من خلال تناول تاريخ القطاع وصدور أول صحيفة سعودية «أم القرى»، ثم توالي بقية الصحف والأحداث التي شهدتها، ولعل أبرزها توقفها خلال الحرب العالمية الثانية، مع إيراد أهم القرارات الرئيسة التي اتخذها الملك عبد العزيز لإقامة وسائل الاتصال والإعلام الوطنية.

بداية يورد الدكتور الشبيلي مقدمة تاريخية عن الصحافة السعودية، مشيرا إلى أن مطبعة ولاية الحجاز (حجاز ولايتي مطبعة سي، كما سميت بالتركية، أو المطبعة الأميرية كما سميت محليا) التي جلبها الوالي التركي عثمان نوري باشا سنة 1883م من تركيا إلى مكة المكرمة، كانت هي أول مطبعة في تاريخ الحجاز، وهي حجرية بسيطة استخدمت في بداية الأمر لطباعة التقرير السنوي الرسمي (السالنامه) لولاية الحجاز.

ثم طورت لطباعة عدد من كتب التراث وبعض مؤلفات علماء الحرم المكي الشريف بالعربية والتركية والجاوية، وطباعة طوابع البريد في العهد العثماني.

مضيفا أنه بعد ربع قرن، 1908م، صدرت في مكة المكرمة أول صحيفة حجازية مطبوعة في هذه المطبعة، وهي جريدة «الحجاز» الرسمية التي أصدرها مكتب الوالي التركي باللغتين العربية والتركية، ورأس تحريرها أبو الثريا سامي وهبي، وقد جاء صدورها في أعقاب إقرار الدستور العثماني (1908م) الذي سمح للولايات العثمانية بإصدار صحف إقليمية خاصة بها.

ثم ظهرت خلال عام واحد خمس صحف أخرى، وهي «شمس الحقيقة» و«صفا الحجاز» في مكة المكرمة، و«الرقيب» و«المدينة المنورة» في المدينة المنورة، و«الإصلاح الحجازي» في جدة، وكانت صحفا ذات إمكانات فنية ضعيفة، وبالتالي لم يستمر صدورها فترة طويلة، فقد اختفت جميعا - باستثناء صحيفة «الحجاز» - قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914م).

ومع استقلال الهاشميين سنة 1916م، الذي أتاح للأشراف حكم مكة المكرمة وجدة والطائف وما جاورها مدة ثماني سنوات، صدرت في الحجاز ثلاث صحف ومجلة واحدة، بينما نقلت جريدة «الحجاز» من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة لتستمر في الصدور (مدة عام تقريبا) من قبل السلطة العثمانية المستمرة في المدينة المنورة، أما الصحف الهاشمية الثلاث الجديدة فكانت «القبلة» و«الفلاح» في مكة المكرمة و«بريد الحجاز» في جدة، وأما المجلة فكانت «مجلة مدرسة جرول الزراعية».

وكانت جريدة «القبلة» هي الأهم بين تلك الصحف لأنها تنطق باسم الشريف حسين، وكان يحررها محب الدين الخطيب، وقد استمرت في الصدور حتى تاريخ دخول مكة المكرمة في الحكم السعودي عام 1924م، عندما أصدر الشريف علي بن الحسين في جدة جريدة «بريد الحجاز» لمدة عام، وهي الفترة التي سبقت تنازله عن حكم الحجاز، وقد تولى تحريرها محمد صالح نصيف.

ويستفاد من متابعة الأعداد القديمة لجريدة «أم القرى» السعودية أن جريدة هاشمية أخرى باسم «صوت أم القرى» قد صدرت بشكل متقطع من جدة خلال تلك السنة، وكانت مثل «بريد الحجاز» موالية للحكم الهاشمي في الحجاز، إلا أنه لا توجد معلومات وافية عنها.

بمجرد وصول السلطان (الملك) عبد العزيز إلى مكة المكرمة في تاريخ 5/12/1924م أمر بأن يستمر إصدار الجريدة الرسمية «القبلة» باسم جديد، وهو «أم القرى» مطبوعة في المطبعة الأميرية التي كانت تطبع فيها سابقتها، فصدر عددها الأول بتاريخ 12/12/1924م، فهي بهذا تعد أول صحيفة سعودية، وكانت في البداية صحيفة رسمية جامعة ، لكنها تخصصت بعد عام 1952م بنشر الوقائع والأخبار والإعلانات والمعلومات الرسمية فقط، وظلت تحافظ على موعد صدورها الأسبوعي، في كل يوم جمعة، وذلك باستثناء أعداد خاصة صدرت لتغطية مناسبات مهمة.

كان يوسف ياسين، ذا خلفية صحافية في بلاد الشام، ثم أصبح أحد مستشاري الملك عبد العزيز وتولى لفترة قصيرة مديرية الشؤون الخارجية، وصار رئيسا للشعبة السياسية في الديوان الملكي، وقد اختير لرئاسة تحريرها، ثم تعاقب على هذه المهمة - لفترات متفاوتة - كل من رشدي ملحس، ومحمد سعيد عبد المقصود خوجه، وفؤاد شاكر (مرتين)، وعبد القدوس الأنصاري، وأحمد ملائكة، وعبد السلام عمر، وهاشم زواوي، ومحمد الطيب الساسي، وغيرهم.

وكانت الجريدة قد ألحقت منذ عهد رئيس تحريرها عبد القدوس الأنصاري عام 1940م بديوان نائب الملك في الحجاز، بينما كانت في السابق مرتبطة بالديوان الملكي مباشرة، ثم ألحقت بالمديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر عند إنشائها سنة 1955م، ثم بوزارة الإعلام فيما بعد.

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على صدور صحيفة «أم القرى»، وبعد أن شهدت البلاد مزيدا من الاستقرار الأمني والسياسي، توالى صدور عشر من الصحف والمجلات، وذلك خلال العقود الثلاثة المتبقية من عهد الملك عبد العزيز (بعد دخوله الحجاز سنة 1924م، وحتى وفاته في 9/11/1953م)، وبذلك يكون عدد الصحف السعودية التي صدرت في عهده - بالإضافة إلى «أم القرى» - إحدى عشرة صحيفة ومجلة.

فيما يلي نبذة عن كل واحدة من تلك المطبوعات الصحافية العشر التي ظهرت بعد «أم القرى».

- مجلة «الإصلاح»، هي مطبوعة صدرت عن شعبة الطبع والنشر بمديرية المعارف العامة بمكة المكرمة في 1/8/1928م، ورأس تحريرها الشيخ الأزهري محمد حامد الفقي، وطبعت أعدادها الأولى في مصر، وظهر منها نحو خمسة وثلاثين عددا، وتوقفت - على الأرجح - بعد أقل من عامين، ويغلب على الظن أن الفقي هو صاحب فكرة إصدار المجلة، حيث كان رئيسا لتلك الشعبة ومدرسا في الحرم المكي الشريف. وقد تذبذبت أعداد صفحاتها بين أربع في بداية الأمر إلى أربعين، وكانت تعيد نشر بعض المقالات الجيدة التي تظهر بين حين وآخر في الدوريات الإسلامية المهمة.

لم تترك تلك المجلة من الناحية الصحافية أي أثر يذكر، سوى أنها تعد أول مجلة تصدر في العهد السعودي، وكانت الجريدة الرسمية «أم القرى» قد نشرت في عددها رقم 190 الصادر بتاريخ 24/2/1347هـ خبر صدور هذه المجلة.

- جريدة «صوت الحجاز»، («البلاد السعودية» لاحقا)، هي أول صحيفة أهلية سعودية، منح ترخيص إصدارها لمحمد صالح نصيف، الذي كان قد تولى تحرير صحيفة «بريد الحجاز» الهاشمية سنة 1924م.

صدر العدد الأول من «صوت الحجاز» يوم 4/4/1932م، وقد نشرت «أم القرى» في عددها رقم 371 لعام 1932م خبر اعتزام لفيف من الشباب الغيورين على مصلحة البلاد إصدار جريدة وطنية أسبوعية، ثم أشارت في عددها رقم 379 إلى منح رخصة جريدة «صوت الحجاز» لمحمد صالح نصيف وعبد الوهاب آشي.

لم يثبت أن آشي شارك في الامتياز، لكنه كان أول من تولى مع فريق من الأدباء مسؤولية التحرير، ثم تعاقب على رئاسة تحريرها عدد كبير من عمالقة أدباء الحجاز، ومنهم أحمد إبراهيم الغزاوي ومحمد حسن فقي وأحمد قنديل ومحمد سعيد العامودي ومحمد حسن عواد وأحمد السباعي ومحمد علي رضا ومحمد علي مغربي وغيرهم، وبعد عدة سنوات (9/4/1935م)، انتقل امتيازها إلى «الشركة العربية للطبع والنشر» التي كان يرأسها محمد سرور صبان.

كانت «صوت الحجاز» جريدة أدبية إخبارية، أفسحت المجال لنشر المعارف الثقافية والنقدية، ودام صدورها عشر سنوات، حيث توقفت مدة خمس سنوات في أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد عددها رقم 592 الصادر في 21/7/1941م، لتعاود الصدور (بتاريخ 4/3/1946م) من قبل الشركة صاحبة الامتياز، ولكن باسم مختلف هو «البلاد السعودية»، التي رأس تحريرها عبد الله عريف، محتفظة بالترقيم السابق وبشخصيتها ذات الطابع الأدبي والاجتماعي، وقد أصبحت يومية بدءا من 7/12/1952م لتكون بذلك أول جريدة تصدر يوميا.

- مجلة «المنهل»، هي شهرية ثقافية ، صدرت في المدينة المنورة في فبراير (شباط) 1937م، ومنح امتياز إصدارها لعبد القدوس الأنصاري، الذي باشر تحريرها حتى وفاته سنة 1403هـ.

وتعد هذه المطبوعة أول مجلة أهلية سعودية، وأول مجلة بحثية متخصصة في العلوم والثقافة والآداب، وأول مطبوعة صحافية تصدر في المدينة المنورة في العهد السعودي، وأطول المجلات السعودية عمرا، إذ ظلت تصدر حتى اليوم.

- جريدة «المدينة المنورة»، هي صحيفة أسبوعية ثقافية، أصدرها عثمان حافظ في المدينة المنورة في 7/4/1927م، ورأس تحريرها في البداية أمين مدني، ثم تولاها صاحب الامتياز مع أخيه الأكبر علي حافظ، ولا صلة لهذه الجريدة بسابقتها التي صدرت في العهد العثماني، لكنها - كما سبقت الإشارة - أساس جريدة «المدينة» التي تصدر في الوقت الحاضر عن «مؤسسة المدينة» للصحافة في جدة، بعد أن كانت قد انتقلت من المدينة في 17/11/1962م، لتصدر يوميا من جدة، فهي إذن المطبوعة الثانية - بعد «المنهل» - في الصدور من المدينة المنورة، وشابهتها في الانتقال منها إلى جدة.

- مجلة «النداء الإسلامي»، هي مطبوعة إسلامية شهرية أصدرها مصطفى أندرقيري في مكة المكرمة في يونيو (حزيران) 1937م، وتوقفت - على الأرجح - بعد عام ونصف العام، وكانت تصدر باللغتين العربية والملاوية، مما يبين أنها كانت موجهة إلى جاليات الجاوة، حيث طبعت كل أعدادها أو بعضها في إندونيسيا.

- صحيفة «الشمس والوهج» (Sun and Flare)، هي جريدة ناطقة باللغة الإنجليزية، صدرت عن شركة الزيت العربية الأميركية (أرامكو) في الظهران، فهي بهذا تعد أول صحيفة سعودية في المنطقة الشرقية، وأول مطبوعة تنشر بالإنجليزية في المملكة، وقد ظهر أول أعدادها في 2/6/1946م، وكانت مسبوقة بنشرتين ثم دمجتا تحت هذا الاسم، وغير فيما بعد إلى «الشمس العربية».

- مجلة «الحج»، هي مجلة شهرية أصدرتها مديرية الحج بوزارة المالية في مايو (أيار) 1947م، وكان هاشم زواوي أول من تولى رئاسة تحريرها، وما زالت تصدر حتى تاريخه، تهتم بشؤون الحج ومواضيعه.

- مجلة «الغرفة التجارية»، هي مطبوعة شهرية أصدرتها الغرفة التجارية بجدة في شهر يناير (كانون الثاني) 1948م، وقد رأس تحريرها محمد راسم، ويذكر أن اسمها تغير إلى مجلة «التجارة» بعد صدور أول عددين منها، والمجلة لا تزال تصدر حتى الآن.

- مجلة «اليمامة»، هي أول مطبوعة صحافية تصدر في المنطقة الوسطى (نجد) من المملكة، وقد منح امتيازها لحمد الجاسر، الذي تولى مسؤولية التحرير، وأصدر أول أعدادها بشكل شهري في أغسطس (آب) 1953م، وكانت أعدادها الأولى تطبع في مصر ثم جدة ثم لبنان، ثم بدأت طباعتها في الرياض بعد افتتاح مطابع الرياض في 1955م، وكان من المفترض، وفق ترخيصها الأساسي، أن تحمل اسم «الرياض» لكن ظروفا حالت دون ذلك، وتعد مجلة «اليمامة» التي تصدر حاليا عن «مؤسسة اليمامة» الصحافية امتدادا لها، وقد نشر الجاسر عدة مقالات شرح فيها قصة صدورها وتفاصيل تأسيس مطابع الرياض التي تعد أيضا أول مطبعة في الرياض.

- مجلة «قافلة الزيت»، أصدرتها شركة الزيت العربية الأميركية (أرامكو) في الظهران في أكتوبر (تشرين الأول) 1953م، أي قبل شهر من وفاة الملك عبد العزيز، وتولى حافظ البارودي مسؤولية الإشراف على تحريرها، وقد طبعت في سنواتها الأولى في لبنان، وما زالت تصدر حتى الآن، فهي إذن ثاني مطبوعة صحافية تصدر في المنطقة الشرقية بعد «الشمس والوهج»، وأول مجلة تصدر فيها، وقد غير اسمها سنة 1983م إلى «القافلة».

ويتضح من هذا العرض الموجز أن 9 من الصحف والمجلات التي صدرت في عهد الملك عبد العزيز ما زالت تصدر حتى تاريخ صدور هذا الكتاب (عام 2003م)، وأن عهده قد شهد صدور أول مطبوعة سعودية في مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض وجدة والظهران، وأن 3 من تلك المطبوعات كانت حكومية، بينما كانت 6 منها مطبوعات خاصة (تابعة لأفراد)، وكانت مطبوعتان منها تابعتين لشركة «أرامكو»، ومطبوعة واحدة تابعة للقطاع الخاص (الغرفة التجارية).

* سينما في الحجاز قبل قرن

* كان من أبرز الصعوبات التي مرت بالصحافة السعودية خلال العقود الثلاثة التي ظهرت فيها تباعا - وهي العقود التي تمثل الفترة المتبقية من حكم الملك عبد العزيز، وتمثل في الوقت نفسه الإطار الزمني لهذه الدراسة - هي الظروف الاقتصادية المرافقة للحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م).

فقد أدى نقص الورق إلى توقف الصحف الأهلية الصادرة في تلك الفترة وهي: «صوت الحجاز» و«المنهل» و«المدينة المنورة»، حيث صدر بذلك بلاغ من سكرتير قلم المطبوعات بوزارة الخارجية وقد وضع هذا التوقف نهاية لجريدة «صوت الحجاز» التي صدرت عشر سنوات متواصلة (1350 - 1360هـ)، فكان العدد الذي نشر فيه البلاغ المذكور (وهو العدد رقم 592 وتاريخ 22/6/1360هـ) هو آخر أعدادها.

والواقع أن الصحيفة الرسمية «أم القرى» لم تسلم أيضا من التعرض للظروف نفسها، فتوقفت لفترة قصيرة لم تتجاوز شهرين بعد أن مرت بفترات اضطرت خلالها إلى تخفيض عدد الصفحات.

وتناول الشبيلي التصوير الفوتوغرافي والسينمائي في البلاد قبل عقود، موضحا أنه لم يسبق لباحث من قبل - حسب علم المؤلف - أن استقصى تاريخ بدء التصوير الفوتوغرافي في الحجاز، واستخدامه في مجال العمل الصحافي، أو رصد حجم التصوير السينمائي الذي تم في البلاد خلال عهد الملك عبد العزيز، والمرجو أن يمثل هذا الفصل بداية لذلك.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في أن التصوير - بشقيه الفوتوغرافي والسينمائي - يعد إحدى وسائل الإعلام وخدماته المساندة، إلا أنه ظل من أكثرها حساسية بسبب التحفظ الديني على مبدأ التصوير، وهو تحفظ يزداد مع تصوير الأحياء ومع التصوير المتحرك على وجه الخصوص، حتى إن كثيرا من طلبة العلم الشرعي ظلوا يعارضون - حتى وقت قريب - الصور الكاملة ويعترضون على استخداماتها غير الضرورية، أما بالنسبة إلى التصوير التلفزيوني، فإنه دخل المملكة لأول مرة مع بدء تلفزيون البعثة الأميركية في الظهران بتاريخ 17/6/1955م، أي بعد أكثر من عام من وفاة الملك عبد العزيز.

أثبتت كتب الرحالة القدامى والمستشرقين أن التصوير الفوتوغرافي قد استخدم في الحجاز منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ولعل من أقدم من استخدم آلة التصوير هو الضابط التركي محمد باشا صادق، مؤلف كتاب «دليل الحج للوارد إلى مكة والمدينة من كل فج» الصادر عام 1896م، الذي عمل «مهندسا في الحرم الشريف أيام الوالي التركي عثمان نوري باشا» (بدءا من عام 1880م)، والتقط أول الصور الفوتوغرافية المعروفة، وصوره موجودة لدى مكتبة الحرم الشريف بمكة المكرمة، ومكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض، وربما تزامن مجيء محمد صادق مع الحاج الهندي ميرزا الذي صور مكة المكرمة في الفترة نفسها (1881م).

ويأتي بعدهما من حيث التسلسل الزمني المستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه (الملقب بعبد الغفار)، الذي زار مكة المكرمة في مطلع القرن الهجري الرابع عشر (1884/1885م)، والتقط بنفسه أو بمساعدة الطبيب عبد الغفار بن عبد الرحمن عبد الغفار صورا لأبرز معالم المدينة المقدسة، وضمنها كتابه «صفحات من تاريخ مكة المكرمة» (من جزأين)، ونقل عبد القدوس الأنصاري عن محمد حسين نصيف أن سنوك التقط له صورة ضوئية شخصية أثناء زيارته تلك.

ومن بين أهم الرحالة الذين زاروا الديار المقدسة وصوروها خلال تلك الفترة من نهاية القرن التاسع عشر، الفرنسي جيل - جيرفيه كورتلمون (الملقب بعبد الله بن البشير) الذي زار مكة المكرمة سنة 1894م، والتقط بنفسه صورا ورسوما أخرى لمظاهر الحياة في مكة المكرمة وجدة، وكان مصورا محترفا أقام معارض لصوره، وأصدر مجلة حملت كثيرا من الصور التي التقطها أثناء رحلاته الكثيرة في أقطار العالم الإسلامي، وقد نشرت «مؤسسة التراث» في عام 2002م الترجمة العربية لكتابه «رحلتي إلى مكة».

الجدير ذكره، أنه زار المدينة المنورة بمناسبة تدشين الخط الحديدي الحجازي سنة 1910م، والتقط ما قد يعد أقدم صور ملونة للمسجد النبوي الشريف والمدينة المنورة (محفوظة في محتف «روبير لينن» بباريس)، وقد أقيم لصوره معرض في الرياض سنة 2002م.

وأخيرا يذكر اسم الرحالة والضابط الروسي عبد العزيز دولتشين الذي زار الحجاز في عام 1898م، وقدم وصفا مفصلا لمظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المدينتين المقدستين، وصدر عن رحلته كتاب بالعربية عنوانه «الحج قبل مائة عام»، وقد استفاد في رحلته من صور محمد صادق وسنوك هورخرونيه.

فهذه الأمثلة تدل على أن التصوير الفوتوغرافي في الحجاز، إنما عرف منذ عام 1880م، حيث لا تتضمن الكتب الصادرة قبله ما يثبت غير ذلك.

ويشدد الشبيلي على أن الكتب السعودية التي صدرت بعد ذلك، وتحدثت عن ملامح الحياة في الحجاز في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للهجرة، لم تعن بتوثيق تطور التصوير، وبخاصة في أواخر العهد العثماني والهاشمي، وقد حاول المؤلف أن يجمع شتات الموضوع من خلال متابعة تطور الصحافة السعودية، والاطلاع على الأنظمة والوثائق، وتوصل إلى استنتاجات عدة، حيث إنه باستعراض الوثائق المحفوظة لدى معهد الإدارة العامة، فيما يتصل باستخدام التصوير الفوتوغرافي في عهد الملك عبد العزيز، تبين له إشارات تتضمن مطالبة بمنع الصور الفوتوغرافية المخلة بالآداب (1927م)، وتوثيق تداول الرقيق آنذاك بالصور (1928م)، ومنع التصوير في المقابر (1928م)، وعدم تأييد وضع الصور على طوابع بريدية تذكارية صدرت بمناسبة إعلان ولاية العهد، مع ضرورة وضع صور الرجال على الجوازات (1932م)، وتلميحات تدل على عدم وجود آلات تصوير فوتوغرافي في نجد (1937م)، ومنع التصوير في المسجد النبوي الشريف حفاظا على قدسيته (1950م).

وبينما لم يشر نظام المطبوعات الأول الصادر عام 1929م إلى التصوير الفوتوغرافي، على أساس أنه لم يدخل في الاستخدامات الطباعية، فإن النظام الثاني الذي صدر عام 1940م، عده إحدى وسائل الطباعة، كما كانت الصحف السعودية المبكرة تستخدم - لبعض الصور الرسمية والإعلانية - الأكليشيهات الجاهزة المصنعة في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة أو في المطابع المحلية الأخرى أو في مصر، ثم بدأت تستخدم الصور الفوتوغرافية في العمل الصحافي، وكانت جريدة «البلاد السعودية» من أقدم تلك الصحف، وقد رصد أحمد الدومري أعداد صحيفة «البلاد السعودية» التي ظهرت فيها صور محدودة للملك عبد العزيز وولي العهد والأمير فيصل بدءا من العدد 624 وحتى العدد 1054 سنة 1370هـ، ثم بدأت الصور الفوتوغرافية تكثر فيها بعد ذلك العام حسب رصده، لكن المؤلف يعتقد أن تلك الأمثلة كانت من نوع «الأكليشيهات» وأن الصور الفوتوغرافية لم تستخدم فيها إلا في عام 1953م، وهو العام الذي توفي فيه الملك عبد العزيز، وفتحت فيه مطبعتان جديدتان حديثتان «باللونيتيب» في جدة، وكانت مجلة «الرياض» الأسبوعية التي أصدرها أحمد عبيد في جدة (أبريل/نيسان 1954م) أول مجلة سعودية مصورة.

واتضح لمؤلف كتاب «الملك عبد العزيز والإعلام» أن التصوير الفوتوغرافي ظل حتى نهاية عهد الملك عبد العزيز يستخدم للأغراض الخاصة، أو على مستوى الاجتهادات الفردية للصحف، فقد أخبر عبد الله بلخير - الذي أشرف على تأسيس المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر (1955م) - المؤلف أن الملك سعود لاحظ ضعف التغطية الصحافية لأخبار وفد المملكة إلى مؤتمر حركة عدم الانحياز الذي انعقد في باندونغ بإندونيسيا في 18/4/1955م برئاسة ولي العهد الأمير فيصل، وخلوها من الصور، فأمر بإنشاء هذه المديرية، وتدلل هذه الرواية على عدم وجود جهة رسمية قبل هذا التاريخ تتولى تصوير النشاط الرسمي للدولة، وتزويد الصحف المحلية والخارجية بالصور بشكل منظم، وهو نهج سارت عليه تلك المديرية ثم وزارة الإعلام من بعد.

* أزمة في بريطانيا بسبب فيلم عن الحج

* ويرى الشبيلي أن موضوع التصوير السينمائي يختلف عن سابقه من حيث تاريخ البداية، إذ إنه من المؤكد أن التصوير السينمائي الرسمي، التابع للحكومة، لم يبدأ إلا بعد فترة من بدء عهد الملك سعود، وتحديدا بعد تأسيس المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر، لكن حالات كثيرة حصلت وتمت تغطيتها من خلال التصوير السينمائي في عهد الملك عبد العزيز، ويمكن بشكل عام رصد ما له صلة بهذا الموضوع بالقائمة الآتية: ولعل أقدم دليل على استخدام التصوير السينمائي في الحجاز إبان الحكم التركي والهاشمي، هو ما ورد في الوثائق الفرنسية أواخر يوليو (تموز) 1917م، من أن المصور السينمائي التابع للبعثة العسكرية الفرنسية في مصر سافر إلى جدة لتصوير جيش الشريف حسين، ونشرت مجلة «الفتح» عام 1930م خبرا منقولا عن صحيفة «مورننغ بوست Morning Post» الإنجليزية، أن الملك عبد العزيز أمر بصنع فيلم سينمائي للدعاية، ثم نشرت في العدد نفسه تكذيبا لهذا الخبر صادرا عن وكالة الحجاز ونجد وملحقاتها في القاهرة (قبل أن تتطور إلى سفارة)، كما تشير بعض الوثائق البريطانية إلى أن اثنين من الحجاج الهنود، قاما - خلسة - بتصوير مشاهد سينمائية حية للحج وعندما رغبا في عرض هذه اللقطات في فندق «هايدبارك» في لندن بتاريخ 6/11/1934م أمام أغا خان واللورد لويد وجمهور من السياسيين الإنجليز، خشيت وزارة الخارجية البريطانية إيذاء الملك عبد العزيز بهذا التصرف، ودارت حول هذا الأمر عدة مخاطبات بين الدوائر في بريطانيا وسفارتها بجدة، انتهت بالاتفاق على أن يكون العرض خاصا ومحدودا، ودون دعوات عامة، وألا يكتب عنه في الصحافة، وكانت الحكومة السعودية قد قدمت التسهيلات لـ«بنك مصر»، الذي قام في يناير 1938م، بواسطة شركة «التمثيل والسينما» بالقاهرة، بإنتاج فيلم وثائقي إعلامي بعنوان «بلادنا المقدسة»، وهو الفيلم الوحيد - المعروف حتى الآن على الأقل - الذي يضم خطابا بالصوت والصورة للملك عبد العزيز، ويستفاد منه اليوم تلفزيونيا على نطاق واسع، وربما يكون أساس الفيلم قد تعرض للتلف في الحريق الذي سبق أن شب في «استوديو الأهرام».

وتشير بعض الوثائق - التي اطلع عليها المؤلف - إلى أن الشركة قد حاولت في العام اللاحق أن تعرض الفيلم في بعض دور السينما الهندية، وأنها احتاجت إلى إفادة من وزارة الخارجية السعودية بأن الفيلم قد صور بمعرفة الجهات الرسمية في المملكة وموافقتها.

كما تناقلت الوثائق البريطانية أن مخرجا سينمائيا يدعى كوهارسكي (Kuharski)، قد حاول في سنة 1949م، إنتاج فيلم يروي قصة حياة الملك عبد العزيز، وقد دارت مخابرة بين الديوان الملكي ووزارة الخارجية، وبين السفارة السعودية في لندن والبريطانية في جدة، ووصل الأمر إلى حد تقديم السيناريو، كما زار المخرج الرياض وقابل الملك عبد العزيز، لكن الفكرة ألغيت - باقتراح من السفارة السعودية في لندن - بعدما تبين أن الفيلم سيكون ذا نهج خيالي (Fantasy).

وعلى صعيد اللقطات الإخبارية السينمائية التي تمت في عهد الملك عبد العزيز وظهر فيها في مناسبات تاريخية أو زيارات رسمية، قام المؤلف بإحصاء ما لا يقل عن عشرين خبرا قصيرا، وعدة تسجيلات فيلمية توثيقية لزيارتيه التاريخيتين إلى مصر، «الأولى» لمقابلة روزفلت وتشرشل (فبراير 1945م)، و«الثانية» ردا على زيارة الملك فاروق (يناير 1946م). كما شملت تلك الأفلام التسجيلية تغطية زيارته التاريخية لتدشين تصدير الزيت من رأس تنورة (يناير 1947م) والتجول في منشآت «أرامكو»، وهي الزيارة التي وثقت الشركة تفاصيلها في كتاب صدر باللغة العربية بعد أن ترجمته دارة الملك عبد العزيز عام 1999م وتضمن معلومات شائقة عن الاستعدادات التي اتخذتها الشركة لتغطية الزيارة فوتوغرافيا وسينمائيا، وعن الأفلام الترويجية أو التسجيلية (الوثائقية) التي عرضتها الشركة في صالة العرض الرئيسية أثناء تلك الزيارة.

* تأسيس الإذاعة السعودية حدث لافت

* ويورد الدكتور عبد الرحمن الشبيلي في دراسته التوثيقية لوسائل الاتصال السعودية بدايات جلب المذياع وكيفية رصد الإذاعات في الديوان الملكي وتأسيس الإذاعة السعودية، موضحا أنه ربما كان تأسيس الإذاعة السعودية آخر أهم القرارات الرئيسية التي اتخذها الملك عبد العزيز أثناء حياته لإقامة وسائل الاتصال والإعلام الوطنية ونشرها، وذلك بعد سلسلة من اعتماد مختلف وسائط النقل والاتصالات السلكية واللاسلكية الأخرى، خلال ربع القرن الذي سبق اتخاذ قرار بإنشاء الإذاعة.

لم تكن الجرأة في هذه المرة تكمن في اتخاذ القرار بتأسيس الإذاعة، بوصفها جهازا فنيا للبث والاتصال في مجتمع محافظ، فقد كان القرار الإداري باستخدام البرق والهاتف قد مهد الطريق لذلك، ثم إن الناس قد ألفوا الراديو، وصار استيراده وانتشاره في الأسواق أمرا شبه عادي وقت إنشاء الإذاعة (1949م)، لكن الجرأة كانت تكمن في مبدأ الدخول إلى عالم الإعلام الإذاعي المسموع، ورسم أهدافه، وتحديد نهجه ومحتواه وبرامجه.

من هنا، فإن اختيار إقليم الحجاز (جدة) مقرا لتأسيس الإذاعة واقتران موعد الافتتاح بموسم الحج، وجعلها في خدمة الأهداف الإسلامية والتثقيفية والإرشادية، كان قرارا مدروسا، ينسجم مع مقاصد الملك عبد العزيز من وراء الموافقة عليها، وكان فيه أكثر من حكمة لضمان قبول الإذاعة مجتمعيا، مع تجنيبها العثرات.

ولا تتوافر في الصحافة والوثائق السعودية معلومات وافية عن بدايات انتشار أجهزة الراديو في البلاد، ويرجع ذلك - في الأرجح - إلى الحرج الاجتماعي من التظاهر باستخدامه، وربما تكون المعلومة التي نشرتها مجلة «الفتح» المصرية عام 1954م من أقدم ما نشر - على ندرته - حول الموضوع كما يتفق مع تاريخ ظهور أوائل الإذاعات العربية، بدءا من إذاعة القاهرة (1934م)، وكانت مجلة «الفتح» قد نشرت خبرين في ذلك العام يفيد أحدهما بأن الراديو أخذ ينتشر في الرياض، ويفيد الثاني بأن الحكومة السعودية قد أجازت إدخال الراديو بعد أخذ ضريبة على كل جهاز.

ويؤكد عدد من كبار السن الذين أمكن سؤالهم أن أجهزة الاستقبال (الراديو) كانت موجودة لدى أفراد من وجهاء المجتمع في مكة المكرمة في عام 1354هـ، كما تدل وثائق رجل الأعمال محمد بن عبد الكريم الخريجي على أنه استورد من لندن في ربيع أول من ذلك العام جهاز راديو للأمير عبد العزيز بن مساعد، أمير حائل، وأن مقدار الرسم المقدر عليه هو عشرة ريالات (أو ما يعادل مائة وعشرة قروش).

وورد في كتاب «الحجاز في عام 1356هـ» لمؤلفه أحمد إبراهيم عيسى، أن الراديو كان موجودا عند بعض أثرياء مكة المكرمة، وأن الحكومة السعودية تتقاضى رسما سنويا مقداره جنيه مصري.

ويبدو أن الحكومة قد استمرت في تحصيل هذا الرسم السنوي لمدة تقرب من خمسة عشر عاما، وذلك إلى ما بعد عام من افتتاح الإذاعة السعودية، فقد دلت وثائق مجلس الشورى على أن إدارة البرق والهاتف، قد ثقل عليها عبء استيفاء الرسم بسبب تزايد عدد الأجهزة، وأنها طرحت فكرة الإلغاء، أو استيفاء رسوم خمس سنوات مقدما عند المنافذ الجمركية، لكن كفة الإلغاء رجحت عند بحث الأمر في مجلس الشورى، فصدر أمر الملك عبد العزيز بإلغاء الرسم بتاريخ 17/9/1950م، مشيرا إلى تحسن الوضع الاقتصادي في البلاد، وأن استمرار الرسوم قد يعوق اقتناء الراديو، ومن ثم الاستماع إلى الإذاعة السعودية.

وقد قدر تقرير صادر عن مجلس الشورى عام 1369هـ أن عدد الأجهزة قد وصل إلى ثلاثة عشر ألف جهاز، بينما كان فؤاد شاكر قد قدر في كتابه «دليل المملكة العربية السعودية» الصادر عام 1948م، أن عدد أجهزة الراديو المسجلة رسميا في البلاد تقدر بسبعة آلاف جهاز استقبال.

أما بالنسبة إلى تاريخ جلب أجهزة التسجيل الصوتي، فيدل خبر نشرته جريدة «أم القرى» في عددها رقم 810 عام 1940م، على سنة بدء توريدها، حيث تضمن الخبر إقامة احتفال حضره الأمير عبد الله الفيصل لمشاهدة أول جهاز جلبته إدارة البرق.

* رصد الإذاعات في الديوان الملكي

* وكان الديوان الملكي أول من وظف جلب أجهزة الراديو لرصد الأنباء ومتابعة الأحداث، والاطلاع على التحليلات السياسية الخارجية لعرضها على الملك عبد العزيز والدوائر الرسمية السعودية.

فقد تأسست بعد ظهور الإذاعات في أوروبا والعالم العربي، إدارة لهذا الغرض تابعة للشعبة السياسية، وكان من بين موظفيها أحمد عبد الجبار، وعبد الله بلخير، وعبد العزيز المعمر، وعلي النفيسي، وعبد الله بن عبد المحسن البسام، وعبد العزيز بن ماجد، وعبد الله السلطان، وأحمد خليل عبد القادر، ثم ساهم في فترة لاحقة أحمد سعيد العربي، وخالد خليفة لمعرفتهما بالإنجليزية.

وهؤلاء كانوا يقومون بمتابعة الإذاعات العربية، والإذاعات الناطقة بالعربية والإنجليزية من تركيا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا، ثم يسجلون أخبارهم ويتناوبون في تلاوتها في ثلاثة أوقات محددة يوميا على الملك عبد العزيز، حيث يتناولها مع مستشاريه بالمناقشة، مهتما في زمن الحرب العالمية الثانية فيما بعد، بما كان يصدر عنها من تحليلات سياسية وتطورات عسكرية. لقد وصف الكثير من الكتاب الذين أرخوا لتلك الفترة كيف كان الملك عبد العزيز يهتم بهذه التقارير، فأورد الصحافي المصري محيي الدين رضا في كتابه «في الحجاز» (الصادر في القاهرة عام 1358هـ) أن الملك كان يطلع على الأخبار التي تذاع من الراديو، وأن موظفين مختصين يقومون برصد الأخبار، وذكر أن «إذاعة لندن» كانت تذيع ملخص خطب الملك في الحج، حيث كان محيي الدين رضا نفسه يرسلها إلى جريدته «المقطم» عن أخبار الديار المقدسة في موسم الحج. ويقول محيي الدين رضا إنه تحدث مع الملك عبد العزيز في فضل الراديو، فأسهب الملك في سرد منافعه قائلا: «لقد صار الراديو من ضرورات الحياة، في هذا العصر، وأدهش العالم، وصار من أنفع الأشياء ولا يستغني عنه أحد في العلم والمعارف».

ثم أشار محيي الدين رضا إلى انتشار الراديو في مناطق المملكة، وإلى تعلق الناس به ومتابعتهم لما يذاع، وتمنى المؤلف على الحكومة السعودية استخدام مكبر الصوت (الميكروفون) في الحرمين الشريفين.

كانت قد صدرت في الصحافة السعودية دعوات تنادي بإنشاء إذاعة سعودية تساهم في جهود التثقيف والإرشاد في موسم الحج، وتنقل صوت المملكة إلى الخارج، كما تساعد على إيصال الأخبار والمعلومات إلى أوسع نطاق في الداخل. لكن التفكير العملي والجاد لتأسيسها جاء من ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز، الذي عرض الفكرة على والده الملك عبد العزيز، فكلف وزير المالية آنذاك (عبد الله السليمان الحمدان) باتخاذ الإجراءات الإدارية والفنية لتنفيذها.

كانت الخطة الأولى هي الاتفاق مع مؤسسة «إنترناشيوال ستاندرد اليكترونيك» international standard Elect. Corp. التابعة لـ«الشركة العالمية للتليفون والتلغراف» (I.T.T)، وقد وقع وزير المالية عقد الاتفاق في مقر السفارة السعودية في القاهرة بتاريخ 11/5/1949م بتكلفة بلغت ربع مليون دولار، ونقلت تفاصيله صحيفة «الحوادث» المصرية، وكان المهندس عبد الحميد غنيم، رئيس دائرة الراديو والبرق والهاتف في مصر، قد عمل مستشارا للحكومة السعودية في المفاوضات وصياغة العقد ووضع المواصفات.

حدد العقد ثلاثة أشهر لتركيب المعدات ومرسلة بلغت قوتها 2.5 كيلووات على موجات قصيرة ومتوسطة، على أن يقام الاستوديو وغرفة المراقبة وعمود الإرسال في جدة، مع بند بإنشاء استوديو آخر في مكة المكرمة.

أما الإجراء الإداري الأول فقد تمثل في صدور مرسوم ملكي لتحديد المسؤوليات الإدارية والبرامجية والإشرافية لها، وقعه الملك عبد العزيز وفوض فيه الإشراف على الإذاعة إلى نائبه في الحجاز الأمير فيصل، وكان مما جاء فيه:

«أولا: ينتخب مدير أو مستشار مسؤول أمام الحكومة عن محطة الإذاعة وما يذاع فيها، وعن الأعمال الإدارية، وهي تهيئة المقالات والأخبار التي ستذيعها وتدقيقها وتمحيصها، والعمل على تحسين هذه البرامج، وتمرين المعاونين وتدريبهم على هذه الأعمال.

ثانيا: يوضع برنامج للإذاعة تشرفون عليه، وينفذ بعد موافقتكم عليه.

ثالثا: يلاحظ في البرنامج:

نشر الأخبار الخارجية كما هي، وإنما يلاحظ عدم شتم أحد أو التعريض بأحد أو المدح الذي لا محل له.

ويلاحظ في الأخبار الداخلية الواقع، وتلاحظ عاداتنا في السكوت على ما اعتدنا السكوت عليه ونشر ما اعتدنا نشره.

ينظر فيما يمكن إذاعته من القرآن الكريم والمواعظ الدينية والمحاضرات التاريخية عن الإسلام والعرب».

وقد ظلت الإذاعة بموجب هذا المرسوم - وحتى نهاية عهد الملك عبد العزيز - تخضع إلى إشراف نائب الملك في الحجاز، وترتبط من الناحيتين المالية والإدارية بوزارة المالية، في شكل مديرية من مديرياتها أو بدمجها - ضمن هذه الوزارة - مع شؤون الحج في مديرية واحدة، ثم صدر مرسوم ملكي في مطلع عهد الملك سعود، يجعل من الإذاعة مديرية عامة قائمة بذاتها ومرتبطة برئيس مجلس الوزراء.

وقد بدأت الإذاعة من جدة، بعد مغرب يوم عرفة، الأحد 2/10/1949م، واستهلت بتلاوة من القرآن الكريم من المقرئ المصري طه الفشني، ثم قدمت كلمة افتتاحية مسجلة من الملك عبد العزيز بهذه المناسبة، ألقاها نيابة عنه الأمير فيصل، متضمنة تهنئة الحجاج بأداء الفريضة، والترحيب بهم، ثم ألقى المشرف على إدارتها، الإعلامي المصري عبد الرحمن نصر، كلمة الهيئة الإدارية للإذاعة، ثم عرضت أدعية مسجلة من وقفة عرفة ذلك اليوم، ويرجح أن يكون هاشم زواوي أول سعودي ظهر صوته عند افتتاحها، وكان استوديو الإذاعة ومرسلاتها قد نصبت في حي النزلة بجنوب جدة، وأقيمت مكاتب لها في فندق «البساتين» بجوار فندق «الكندرة» الحالي، قرب مطار جدة القديم، أما «استوديو مكة المكرمة» فقد تأخر تنفيذه مدة عامين.

وبمجرد أن انتهى العمل في إنشاء استوديو آخر للإذاعة في مكة المكرمة، في 2/10/1951م أقيم احتفال برعاية الأمير فيصل، نائب الملك في الحجاز، لافتتاح تجهيزاتها المقامة على جبل هندي، وهو ما مكن من انتقال البث إلى مكة المكرمة لمدة تقرب من خمس سنوات، أعيدت بعدها إلى جدة بعد إنشاء المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر سنة 1955م، إلا أن توثيق نقل الإذاعة من جدة إلى مكة المكرمة والعكس، لم يحظ بما يستحقه من التفصيل في صحافة تلك الأيام، مع أن الفترة السابقة لذلك (السنوات الثلاث الأول للتأسيس) قد غطيت في جملة من الإصدارات، وكانت المكاتب الإدارية في مكة المكرمة تتخذ من مبنى في حي الشبيكة مقرا لها، أما البث فكان يتم من خلال خطوط الهاتف أو عبر مرسلة لا سلكية إلى جدة، ثم يعاد بثه عبر المرسلات المقامة فيها.

 

المصدر : صجيفة الشرق الاوسط الجمعـة 09 شـوال 1431 هـ 17 سبتمبر 2010 العدد 11616  -  بدر الخريف