أجيــــــاد.. حكاية تاريخ وشاهد تحوّل

(أجياد) أو (جياد) بحذف الألف كما يطلق عليه المكيون.. من الأحياء المكية القديمة وأكثرها بروزًا ولعل موقعه المحاذي للحرم أكسبه مقومات أكسبه هذا الإرث التاريخي العريق من خلال سكانه وبيوتاته وماخلفوه من تفاعل اجتماعي وثقافي ثري.


وبحسب المصادر التاريخية فإن حي أجياد من أحياء مكة القديمة يقع في جنوبها الشرقي والشمالي، ويتفرع إلى فرعين جياد الكبير "المصافي" وجياد الصغير "السد"، ويرجع بعض المؤرخين سبب التسمية لأن الجياد كانت تباع وتربط فيه.


ويوردالمؤرخون أشعارًا حملت اسم جياد للدلالة على العمق المكاني والزماني للحي..


وفي العصر الحديث فقد شكلت مجموعة من المكونات والأحداث بعدا تاريخيا عميقا لحي "أجياد"، ومن أبرز تلك المكونات والشواهد التاريخية احتضانه لأول مجمع حكومي، وهو ما كان يعرف بدار الحميدية أو دار الحكومة السعودية. حيث كانت تضم هذه الدار الأجهزة الأمنية والقضائية والأوقاف والمالية والإمارة وإدارة إحصاء النفوس وغيرها من الإدارات.


ويقول حسين الشامي من أهل جياد أن دار الحميدية كان يضم مجلس الشورى، وقد عقد بالحميدية أول اجتماع لمجلس الشورى في عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله.. ودار الحميدية كان يتألف من دورين وفي الدور العلوي منه كان الملك فيصل رحمه الله يصلي فيه أثناء دوامه في دار الحكومة السعودية. وأضاف الشامي أن حفائظ النفوس ورخص السير كانت تكتب بخط اليد وذلك في الأربعينيات من القرن الماضي وقد أزيلت الحميدية لصالح توسعة الحرم عام 1375هـ.


تواصل الشواهد
ويشير أهالي جياد إلى توافقات بين ما يجري الآن في أجياد وبين الإرث الذي خلفه ماضي هذا الحي وكأن يعطينا دلالة امتد اد تاريخي بين الماضي والحاضر.. ليشكل منظومة إرث واحدة، فيذكرون أن ساعة مكة هذا المعلم الضخم المطل على الحرم، والذي يعد أبرز المعالم المنجزة في مكة حاليا كان مسبوقا بمعلم ساعة الحرم وهذه كانت معلقة بدار الحميدية وكان لها صدى تسمعه الأحياء المجاورة للحرم، وذلك لتحديد الوقت ومعرفة دخول الأذان. أيضا وقف الملك عبدالعزيز للحرم في بداية جياد يذكرنا بوقف التكية، حيث كانت توزع الأطعمة صباحا ومساء وبها حنفيات يتوضأ فيها الناس. بل إن اهتمام أهل الحي بالحرم وقربهم منه وخدمة قاصديه كأنه يتوج بوجود رئاسة الحرمين في جياد


ويقول كمال شقدار المسؤول عن توثيق المعلومات عن حي جياد: إن التكية توقفت بسبب ضعف الدعم فأمر الملك عبدالعزيز، يرحمه الله، باستمرارها وذلك حتى نهاية السبعينيات.


ويشير شقدار إلى العديد من المعالم الأخرى التي كانت في حي جياد ومنها المطبعة التي أقامها العثمانيون بمكة في أجياد وهي أول مطبعة في المملكة وهناك ميدان العرض العسكري ودار البريد ودار الصحة. إلى ذلك يقول محمد المنشاوي، إن حي أجياد من أكبر الأحياء في مكة ومن أكثرها سكانا وقامت فيها الكثير من بيوت العلم والتجارة ومنها آل البغدادي وآل المالكي وآل القزاز وآل بليلة وآل الفاسي وآل بخش وآل نصيف وآل الطفران وال اللبان وال الفران وال الفراش وقريش وغيرهم. وقد أنشأنا رابطا خاصا جمعنا فيه الكثير من الأسماء والصور لأهالي جياد.


مربط الفرسان
وقال عمدة حي أجياد مطلق المالكي، إن هذا الحي له تاريخ قديم منذ مئات السنين، وسمي بهذا الاسم لأن الفرسان كانوا يربطون جيادهم فيه فسمى حي أجياد وكان معروف عنه أنه حي تقع فيه جميع الدوائر الحكومية ولعل قربه من المسجد الحرام خصه بهذه الميزة، وحسب مايرويه كبار السن من سكان الحي، الذين تجاوزت أعمارهم السبعين عاما أن جميع الدوائر الحكومية والسجن ومعسكر رجال الأمن وساحة العرض العسكرى تقع في هذا الحي، وهذا الحي مذكور في التاريخ القديم وتحدث عنه الشعراء والأدباء.


وقال المالكي إن التركيبة السكانية لحي أجياد قديما كانت تشكل نسيج من جميع القبائل، التي تعيش في المملكة إلى جانب الوافدين من جميع أنحاء العالم الإسلامى المجاورين لبيت الله الحرام، ومن أشهر وأقدم الأحياء في أجياد شعب قريش، وكانت العادات والتقاليد المكية تنتشر بين أحالي وسكان الحي ولهم صيت ومكانة في قلوب أبناء حواري مكة فمعروف عن أهل أجياد الكرم والشهامة وقيم ومبادئ أبناء الحارة، إلى جانب تمسكهم بالأخلاق الإسلامية الكريمة ومحافظتهم على الصلوات في الحرم كون بيوتهم مجاورة للمسجد الحرام.


أبراج وتهجير
وقد خرج أكثر أهل جياد من بيوتهم واستقروا في الأطراف نظرا لما شهده الحي خلال العقود الماضية الكثير من التغيرات بعد دخول جزء كبير من توسعة المسجد الحرام في الحي إلى جانب إنشاء عشرات الأبراج المخصصة لسكن الحجاج والمعتمرين، وما أفضى إليه ذلك من اختناقات وزحام. وذكر سعد العمري من سكان المصافي إن حي أجياد من الأحياء التاريخية، وأن صفوف المصلين في المواسم تمتد إلى وسط وداخل الحي، وقد شهد الحي مرحلة تطويرية أسوة بأحياء مكة المكرمة. فيما طالب ضيف الله القرشي بأن يبقى الحي بصبغته المعروفة، ويتم تطويره كونه شاهدا على ماضي الأحياء القديمة المجاورة للمسجد الحرام.


ويضيف العمدة أن أهالى الحي القدامى تركوا مساكنهم منذ سنوات، واتجهوا للعيش في المخططات، لكن هناك بعض المقيمين في الحي منذ خمسين سنة ما زالو يسكنون في الحي رغم مايعيشونه من معاناة، وقال إن فك الاختناقات هي الهاجس الأكبر لجياد.

المصدر / جريدة المدينة تحرير - محمد رابع سليمان - مكةكاميرا: عبدالرحمن الفقيه