«دار السيدة خديجـة» .. معلم شاهد على تاريخ السيـرة النبويـة

 

صـدرت عن مؤسسة الفـرقان للتـراث الإسلامي، أول وأهم دراسة علمية تاريخية ومعمارية عن «دار السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها في مكة المكرمة»، من تأليف معالي الأستاذ أحمد زكي يماني.

تتناول الدراسة تاريخ الدار منذ إنشائها قبل الإسلام في رباع بني عبد شمس بجوار دار أبي سفيان، وموقع الدار بالمقارنة بالدور التي حولها، وعمارتها عبـر العصور المختلفة حتى ظهورها في حفـريات عام 1410هـ / 1989م.

وصدر الكتاب في إخراج رائـع، شاملا أدوات مهمة، كالفهارس والنماذج، وبلغت صفحاتـه من الحجم الكبير قـرابة مائتي صفحة، من الورق الصقيل، وتجليد فاخر محلى بالكتابات الذهبية، وطبعة الكتاب طبعة تذكاريـة فاخـرة.

يقول المؤلـف في مقدمة كتابه الذي صدر في إخراج متميـز، مدعم بالصور النادرة والخـرائط والوثائق واللوحات والكشافات والفهارس:

«تعتبـر دار السيدة خديجة رضي الله عنها معلما إسلاميا عند المسلمين عامة، فهي الدار التي تـزوج فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وتـردد عليها جبريـل عليه السلام حاملا رسالات ربه بالقـرآن الكريـم، وفي الدار نـزلت آيات القـرآن الكريـم: (يا أيها المدثـر. قـم فأنـذر. وربك فكبـر. وثيابك فطهـر). وتكرر نـزول الوحي في الدار، وفيها أسلمت خديجة رضي الله عنها، وعلي رضي الله عنه، وزيـد بن حارثـة رضي الله عنه.
 

 النبي والـدار

انطلقت من دار خديجة رضي الله عنها رحلة الإسراء والمعـراج، وفيها شق قلبه صلى الله عليه وسلم، وأنجبت خديجة للنبي من النبات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهن، ومن الأولاد: القاسم وعبد الله.

وإضافة إلى ذلك كله، فهي أول دار مس جلـد النبي صلى الله عليه وسلم تـرابها، ومشى فيها ولامس جسده الشريـف حجـراتها وجدرانـها، عليه أفضل الصلاة وأتـم التسليم، وعاش صلى الله عليه وسلم في كنف هذه الدار، وبين حجراتها 28 عاما من حياته، فلا مبالغة أن يقول الطبـري وغيـره : إن دار خديجة رضي الله عنها أفضل محل بالحرم بعد المسجد الحـرام.

استمـر وجود هذه الدار المباركة قـرابة 14 قرنا من الزمان، فقد رآها ووصفها الرحالة إلدون رتـر Eldon Rutter في رحلته إلى مكة المكرمة عام 1344هـ (1925م)، حيث وقـف عليها وقد سدت بالحجارة والطين، ثم استحالت أرضا بيضاء مطمورة أثناء زيارة محمد حسين هيكل عام 1354هـ (1935م)، ومن جاء بعده إلى مكة المكرمة.

وصـف المؤرخـين
 

خلال التاريخ الذي تواجدت فيه الدار كانت موضوعا في كتب المـؤرخين المكيين، وكتب المناسك، كالأزرقي، والفاكهي، وابن الضياء، والفاسي، والطبـري، وغيـرهـم.
وأوجـز البعض وصف الدار، وأطال في الأحداث والوقائع، بينما توسع البعض في الوصـف، من ذكر لصفـة الدار من حيث الموقع، والعمارة، والتقسيمات الداخلية.

 

وكان مـن أهـم أولئك المؤرخـين العلامـة مـؤرخ مكة المكرمـة تقـي الديـن الفاسي (ت: 832هـ ــ 1428م) الذي أمدنا بمقاييس وحدات الدار الأساسية (مولد فاطمة رضي الله عنها، وموضع قبة الوحي، ومختبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ووصـف وذرع الإضافات التي ألحقت بالدار فيما بعد من رواقي المسجد (الأمامي، والمؤخـر، والصحـن)، وذلك بمقياس ذراع الحديـد، الأمر الذي مكننا من بناء شكل تقريبي، ثلاثي الأبعاد للدار، وأروقتها الأمامية، أقرب تخيلا إلى ما كانت عليه الدار في عهد الفاسي. ولقد كانت هذه الإضافة من الأهمية بمكان، حيث مكنت من إجـراء المقارنة بين وصـف الفاسي، والحال الذي كانت عليه الدار قبل طمـرها بعد عام 1344هـ (1925م)، ومعـرفة التغيـرات والإحداثيات والمساحات الإضافية التي حدثت بالدار بعد فتـرة الفاسي.

 

 

 

مسح المصـادر

 

لم تكتفِ الدراسة بمسح المصادر التاريخية المكية فحسب، بل تعدتـها إلى وصـف عـدد من الرحالة من المسلمين وعدد من الرحالة المستشـرقـين، الذين قدموا إلى مكة المكرمة وزاروا تلك الدار المباركة خلال فترات زمنية متباعدة، بـدءا من رحلة ابن جبـير، ومـرورا بـرحلات ابن بطوطة، والعياشي، وأوليا جلبي، وأيوب صبري، وبوركهارت (BURCKHARDT)، وبيرتون (BURTON)، وسنوك (SNOUCK)، والبتنوني، وإبراهيم رفعت، وإلدون رتـر (ELDON RUTTE)، حتى رحلات كل: من محمد حسين هيكل، وإبـراهيـم حبيب، ومحمد لطفي جمعة، حين استحالت دار السيدة خديجة رضي الله عنها أثـرا بعد عين، ولم يعد لها أي وجود، أثناء زياراتهم المكية، وبحثهم عن موضع الدار.

 

لقد أمد الرحالة الذين شاهدوا تلك الدار بمعلومات ثريـة، لم تحط بموقع الدار، وصفتها من الخارج والداخل فحسب، بل تعدتـها إلى وصف المظاهر الاحتفالية والطقوس التي صاحبت زياراتهم، مما مكن من معرفة المظاهـر الثقافية والاجتماعية التي سادت المجتمع المكي خلال العصور المختلفة، ومدى التأثيرات العقدية على تلك الممارسات والمظاهـر.

 

ولقد تمكنت الدراسة التي قدمها الكتاب من توثيق المعلومات التاريخية، ومعرفة صفة الدار، عبر المـراحل التاريخية المختلفة، وكذلك معـرفة ما أحاط بالدار من إصلاح، وتجديد، وإضافة، وتعديـل، وما صاحب وجودها من مظاهر اجتماعية وثقافية عـدة» .

 

وأحاطت الدراسة بعناصر عدة تطـرقت إلى موقـع دار السيدة خديجة رضي الله عنها والدور المحيطة بها، وأهم الأحداث والوقائع التي حدثت بالدار الكريـمة، وما جاء عن الدار في كتب الرحلات إلى مكة ومن خلال روايات المؤرخين، وأيضا دراسة عملية لدار السيدة خديجة رضي الله عنها في حفريات عام 1410هـ / 1989م، وفي خاتمة الدراسة عـرض للنتائج.

 

 

 

 

 

 

نتـائج الدراسـة
خلصـت الدراسـة إلى عـدة نتائج أهمهـا:

 

أولا: أظهـرت الدراسة أنه كان للسيدة خديجـة، رضي الله عنها، داران في مكة المكرمة: الأولى، دارها القديمـة قبل زواجها من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت ضمن الربـاع التي خصصها قصي بن كلاب لبني أسد بن عبد العزى، جنوب غـرب الكعبة المعظمة، وكانت تقع في سكة الحزاميـة، قريبا من دور حكيم بن حزام، ودور آل الزبير.

 

أما الدار الأخرى (موضوع هذه الدراسة)، فهي التي اشترتـها السيدة خديجة، رضي الله عنها، في ربـاع بني عبد شمس، في المنطقة الشمالية الشرقية من المسجد الحـرام، جنوب غرب ربـاع بني هاشم.

 

ثانيـا: أظهرت الدراسة أن دار السيدة خديجة، رضي الله عنها، الواقعة في ربـاع بني عبد شمس، شمال شرق المسجد الحرام في زقاق الحجر، أو العطارين قديما، هي الدار التي كانت مسكنا للرسول صلى الله عليه وسلم وزوجه السيدة خديجة، رضي الله عنها، وأولاده جميعا، والتي تلقى فيها الوحي.

 

وقد تواتـرت الأخبار في المصادر عن اتخاذها مسجدا منذ عهد الخليفة معاوية رضي الله عنه، حتى منتصف القـرن الرابـع عشر الهجـري (العشرين الميلادي) حين طمـرت تحت مستوى سطح الأرض.

 

ثالثـا: طـرأت على الدار، خلال الحقب التاريخية المختلفة، عدة متغيـرات شملت حجـرات الدار؛ وأروقـة المسجد الذي أمر الخليفة معاوية رضي الله عنه، بإنشائه، إضافة إلى ما حول الدار من المباني وأسماء الأزقـة، وانخفاض مستوى الدار عن مستوى الأزقـة المحيطـة بها.

 

رابعـا: طـرأت بعد القـرن التاسع الهجـري (الحادي عشر الميلادي) اختلافات في أسماء بعض حجـرات الدار، فأطلق على حجـرة قبة الوحي، اسم حجرة السيدة خديجة، رضي الله عنها.

 

كما أطلق على المختبأ، اسم قبة الوحي، أو مصلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مع بقاء حجرة مولد السيدة فاطمة، رضي الله عنها، على الاسم نفسه، بالرغم من التوسع فيها من جهة الجنوب، والشمال الشرقي.

 

خامسـا: ظهـر من الدراسة أن دار السيدة خديجـة، رضي الله عنها، كانت موقوفـة منذ عهـد الخليفـة معاويـة رضي اللـه عنـه، وظلـت علـى ذلك حتى عهـد المـلك عبـد العزيـز ــ رحمه الله ــ حين عهد إلى الشيخ عباس يوسف قطان بإقامة مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم فوق موقع الدار.

 

سادسـا: أظهـرت الدراسة اهتمام الخلفاء، والسلاطين، والملوك، والأمـراء، والولاة، بدار السيدة خديجـة، رضي الله عنها، وذلك من خلال تعهدهـم لها بالعمارة، والتجديد، والترميـم، والصيانة في العصور المختلفـة، وتكليف من يقوم، نيابـة عنهم، بذلك من شيوخ الحـرم، وسدنـة البيت، وأعيان مكة المكرمـة.

 

سابعـا: ظهـر من الدراسة أن بعض المواضع الملحقة بالدار، كمربـد السيدة فاطمة، رضي الله عنها، كانت أوقافا لمصالح الدار، وقفها الخليفة الناصر العباسي للصرف من ريعها لإصلاحات الـدار.

 

ثامنـا: تضمن الفصل الخاص بوصف الرحالة للـدار بعض المغالطات التاريخية، كالحديث عن مولد الحسن والحسين بالدار، ووجود متعلقات لهما في الدار، وكذلك لأمهما السيدة فاطمة، رضي الله عنها، إضافة إلى وصـف بعض الممارسات والطقوس غيـر الشرعيـة من بعض عـوام الزائـرين للـدار. وقد أوردت الدراسة تلك النصوص عمـلا بالمنهجية العلميـة وأمانة الاقتباس، بالرغـم من التحفظ على تلك المبالغات والطقوس.

 

تاسعـا: كشفـت عمليات الحفـر لسنة 1410هـ (1989م)، عن وجود تشابـه في الموقع مع الوصـف الذي سجله البتنوني في (رحلتـه)، وهو آخـر الرحالة وصفا للـدار قبل اندثار معالمها.

 

وقد حرصـت الدراسة على توضيح عدم صحة ما ذكره البتنوني من أسماء المواضع التي لم تـرد عند أحد ممن سبقوه في وصـف الدار، كحجرة استقبال الوفود، والتي هي في الأصل الرواق الأمامي، وكمكان تجارة السيدة خديجة، رضي الله عنها، الذي كان في الأصل مربـد السيدة فاطمة، رضي الله عنها.

 

عاشـرا: انفـردت الدراسة بعـرض عدد من الوثائق والصور الفوتوغرافية، وخـرائط المساقط الأفقيـة، الخاصـة بدار السيدة خديجـة، رضي الله عنها، تنشر لأول مـرة.

 

حـادي عشـر: انفردت الدراسة بتحليل وصـف المـؤرخ الفاسي للـدار، وهيئتها في القـرن التاسع الهجـري (الخامس عشـر الميلادي)، وقامت بإسقاط بياناته على أشكال ثلاثية الأبعاد للصفـة المعماريـة، وتقسيمات الدار الداخليـة بعناصرها المختلفـة، وبالدقـة التامـة في قياس المساحات، وتحويـل القياس بذراع الحديد الذي كان معمولا به في زمن الفاسي، إلى قياس المتـر..
وقد تطلب ذلك الأمـر دراسة تصورات واحتمالات عدة، ناقشها فـريق عمل متخصص، حتى تم التوصل إلى أقـرب تصور للصفـة التي كانت عليها الدار في زمن الفاسي، معتمديـن في ذلك على المعطيات المساحيـة، والتاريخيـة التي قدمها الفاسي.

المصدر : عكاظ 1434/9/25هـ