مقر إقامة المسؤولين والمسرح الأول .. «جرول» يلفظ أنفاسه الأخيرة

يلفظ حي جرول الضارب بجذوره في تاريخ مكة المكرمة أنفاسه الأخيرة، تاركا عمرا يتجاوز التسعين عاما صوب العالم الأول بعد أن صدر القرار بتحويله إلى ضاحية مطورة ضمن مشروعات خادم الحرمين الشريفين التطويرية للعاصمة المقدسة.


الحي الذي لا يفصله عن ساحات الحرم سوى 800م، أزيل ما لا يقل عن 70% من مبانيه القديمة لصالح إنشاء محطة خدمات للحرم المكي الشريف وتحولت البقية الباقية إلى أبراج سكنية للحجاج والمعتمرين فيما اختفت .المنازل القديمة من الحي وتفرق سكانه على أحياء العاصمة المقدسة الأخرى.

يقول عمدة حي جرول طلال حسان الحساني أن حي جرول يتكئ على إرث تاريخي كبير موغل في القدم فهو يحوي بئر طوى التي اغتسل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وبها جبل قعيقعان، وكان غالبية سكان جرول من البادية في الستينيات الهجرية، إضافة إلى بعض العائلات المكية المشهورة التي سكنتها، فقد كان يحوي حلقة الخضار وسوق الأغنام ومواقف النقل وسوق بيع الطيور والأعلاف والحبوب، كما كان يحوي الكثير من المقاهي المشهورة والتي كان يقيم فيها الكثير من القادمين من خارج مكة ومنها ينطلقون للعمل في مكة المكرمة.


وأضاف: ويعودون إليها ويبقون فيها أياما ثم يعودون إلى ذويهم محملين بالأرزاق، وكان سكان القرى المحيطة بمكة المكرمة من الشمال والشرق والغرب والجنوب يتجمعون في جرول محملين بخضراوات مزارعهم وفواكهها، خاصة من مزارع هدى الشام ومزارع الزيمة والطائف وفيها يبيعون ما يحملونه من خضراوات من مزارعهم ومن أغنام ومن ثم يقومون بشراء مستلزماتهم منها واحتياجاتهم، مثل البن والهيل والدقيق والحبوب ويعودون إلى قراهم.


إقامة المسؤولين
وتابع الحساني: كانت وزارة الداخلية تتخذ من جرول مكانا لها وكان مبناها في منزل الشيخ عبدالله السليمان وكان وزيرها في ذلك الوقت صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل، وكذلك الشرطة العسكرية كانت أيضا في جرول.
وعن أبرز من سكن جرول يقول العمدة الحساني سكنها صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالعزيز عندما كان أميرا لمنطقة مكة المكرمة، والشيخ عبدالله السليمان وزير المالية الأسبق، وعائلة شطا ويوسف ياسين وكيل وزارة الخارجية وكذلك محضار عقيل أول شخص عينه الملك عبدالعزيز على القضاء الأعلى والشيخ محمد الحركان ومن العوائل العريقة عائلة ابن معمر التي منها محافظ الطائف حاليا والشيخ بكري قزاز.


الدور الثقافي
وزاد العمدة الحساني: لا يقتصر دور جرول على احتضان المسؤولين، بل منها انطلق أول مسرح سعودي أنشأه أحمد سباعي ويقع في شارع قريش، كما انطلقت مجلة عرفت باسم الشارع مجلة «قريش»، كما أن أول منتزه أنشئ في أرض الحجاز كان في حي جرول عرف باسم بستان عثمان نوري باشا وكذلك بستان الشريف عون الرفيق.


سوق الحمير
فيما ذكر أحمد الحربي أحد سكان الحي القدامى أن الحي كان في البدء بستانا وأخذ شهرته بعد نقل سوق الخضار من الحلقة القديمة بجوار الحرم المكي إلى الموضع الحالي، وكان أهل البادية يحرصون على إنهاء كل مستلزماتهم وشراء حاجاتهم منه، والتي لا تخرج عادة عن المواد الغذائية والبهارات والبن والهيل، ويعودون إلى قراهم حيث يحتضن «جرول» أقدم مواقف السيارات لنقل سكان قرى وادي فاطمة وهدى الشام وعسفان.


وقال الحربي: كانت الحلقة مظلة تجار الخضار وملاك المزارع، من مختلف المدن والضواحي والأحياء من وادي فاطمة وهدى الشام والزيمه وعسفان والطائف، ففي ساعات الصباح الأولى يموج الحي بصخب تجاري، وضجيج لا يسكته إلا غروب الشمس، وتستقبل الحلقة (الجلابة) الذين يأتون بمواشيهم من قرى مكة المكرمة لبيعها، وكانت هناك سوق رائجة لبيع الحمير، فيما تتناثر حول هذه الأسواق محلات بيع الحليب والبيض البلدي والسمن والفول وسوق للطيور.


ويعود العمدة الحساني لالتقاط دفة الحديث قائلا: لا يسكن جرول إلا البادية، هكذا يقول ابن حسان، لكنه يستدرك بقوله: كان هذا في السابق أي في الستينيات والسبعينيات، إذ أن جرول كانت الوحيدة التي تحتضنهم وتفتح صدرها لهم وتؤويهم في مقاهيها ومنازلها.


ريع المجانين
ريع المجانين وسبب تسمية هذا الريع بهذا الاسم لأنه كان يسكنه فخذ (خامس) يعرف باسم المجنوني، كما أن الصكوك القديمة تثبت أنها ملك بني لحيان، وكانت في الحي قهوة المنتزه وقهوة المعلم وكانت تستقطب الكثير من أبناء البادية، بل كانت هاتان القهوتان مكان التقاء غرباء البادية ومعلما بارزا للباحثين عن ذويهم في هذا الحي، وكان يعمل بها عدد من الجالية اليمنية التي تجيد صناعة الكثير من متطلبات أبناء البادية الغذائية.


جرول الخضراء
جرول الخضراء سميت بهذا الاسم لوجود عدد من البساتين، من بينها بستان عثمان نوري، ومن القصص المروية أن سكان مكة اشتكوا عثمان نوري باشا على الدولة العثمانية وقالوا في شكواهم «إن واليكم في الحجاز عمل بستانا له على مقابر المسلمين»، في إشارة إلى مقبرة الشيخ محمود، وفي الحقيقه أنها وشاية، ولكن الشريف عون الرفيق وعددا من المواطنين آنذاك رفعوا مذكرة ينفون فيها ذلك، وكان بها بستان الشريف عون الرفيق وكان مزروعا بجوز الهند والليمون والعنب والجوافة والبرتقال، وهذا البستان كان يسقى بماء عين زبيدة، وبه من الآبار الشيء الكثير، حيث كان حفر البئر سهلا بسبب وجود المياه، ومن آبارها بئر طوى، بئر دولات، بئر زبيدة، بئر داخل منزل الشيخ عبدالله هباش، بئر الطبيشى، بئر الصبان والسبب في كثرة الآبار لأنها في وادي طوى المشهور بكثرة المياه.

المصدر : عكاظ 1433/4/4هـ