شاعر النشيد الوطني إبراهيم خفاجي

 

 

لم أسمع ضجيجا من رجل يضع رجله اليمنى في المقبرة والأخرى إلى الوراء كما سمعته من شاعرنا الكبير إبراهيم خفاجي، ولم أشاهد إجابة صامتة تتآكل من الألم، كما رأيتها في عيني جواهرجي الأغنية السعودية وأنا أستفز عواطفه بسؤالي: هل يعرف أبناؤنا أنك مؤلف النشيد الوطني الذي يرددونه في الطابور المدرسي كل صباح؟.. حاولت أن أتسلق الجبل الأشم الذي صعد على أكتافه طلال مداح ومحمد عبده وعبد المجيد عبد الله، وتمايل مع صوره الفنية وديع الصافي وفائزة أحمد ونجاة الصغيرة وأجيال متعاقبة على مدى نصف قرن -محليا وعربيا-، فلم أفلح في الحصول على أكثر من ملامح وإشارات وشيء من الفتات، لكنني أزعم أنها كافية لتصب الزيت على النار التي ظلت خامدة تحت الرماد. مسح بكلماته ما تبقى من بياض في الوسط الفني، وأسقط أوراق الخريف عن أشجار يظن الناس أنها ما زالت مثمرة عندما قال: «في رقبتي بيعة لا تباع رغم محاولة بعض الخليجيين شراءها بشيك على بياض»، في الوقت الدي سقط فيه الفنانون أسرى للدينار والدرهم، وتمادى في صراحته ناسفا بيته الشهير «إذا لعب الهلال فخبروني» بقوله: لم أكن هلاليا في يوم من الأيام لأسقط شعري حكرا على الهلال، فأنا كفنان ملك لكل أندية الوطن، إنما كان شعري حديث مناسبة فقط. حوار فيه من المرتدات والمفاجآت ما يتجاوز أكثر من مجرد الكلمات، بدأناه بتلمس طريق البدايات..

ولدت في حارة سوق الليل، حيث ولد الرسول وهذا يكفيني، أو حي شعب بني عامر الذي اشتهر بالحصار المفروض على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته في شعب بني عامر في أسرة ترتبط بعلاقة وثيقة بالثقافة والأدب والفن؛ فوالدي وجدي لأبي كانا عازفي ناي في فرقة النوبة (الشرطة)، كما كان خالي أحمد الشعار وجده لوالدته إبراهيم الشعار عازفي ناي أيضا، كما اشتهرت منطقة سوق الليل في مكة المكرمة في تلك الحقبة بضم أشهر الفرق المؤدية لغناء يماني الكف، فعاصرت حسن جاوة، وفهيد أبو حميدي، وإسماعيل كردوس، ولم تكن تجارة والدي وعمي في صياغة الذهب تحقق مردودا ماليا بسبب الحرب العالمية الثانية، فقررت أن أبحث عن عمل وتركت حلقات العلم واتجهت لمدرسة اللاسلكي والشعر، ليس كرها في العلم في الحرم، إذ يكفيك أن تخرج نصف عالم من الدروس التي كانت موجودة في تلك الأيام، ولكن الحاجة وضيق ذات اليد دفعاني للهروب من الفقر في وقت كانت فيه الحكومة توزع على الناس السكر والشاهي والخبز لكي لا يموتوا جوعا، ولم يكن هناك أحد معه فلوس في تلك الأيام. تصور زفة الموية بست هللات، والقربة بريال في الشهر مع أن الراتب لا يتجاوز 15 ريالا فقط . لذلك عندما يسألونني الآن عن سبب عدم بيعي لكلماتي أعيدهم وأذكرهم بالبيعة التي أتحملها في رقبتي لهذا الوطن الذي عشت معه خطوات البناء والانتقال يوما بيوم وسأظل وفيا له بكلماتي حتى يتغمدني الله برحمته.

• الملاحظ أن شعرك أصبح مثل الفاكهة السنوية في الفترة الأخيرة؟
ــ إنتاجي كان غزيرا في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات الهجرية، لارتباطه بحماس سن الشباب بما له من وفر وما فيه من تخيلات، والشاعر يقول:
ياللشباب المرح التصابي
روائح الجنة في الشباب
والحقيقة أن الفترة التي بدأت فيها وعمري 16 سنة؛ أي قبل 70 عاما من الآن، لم يكن فيها الاهتمام بالشعر بالصورة نفسها التي كانت عليها، بدءا من السبعينيات الهجرية، حيث كان الإقبال شديدا وكنت أكتب بشكل يومي. وقد عاصرت السنوات العجاف التي مرت بها بلادنا والنهضة الحضارية التي وصلت إليها يوما بيوم، وفي رقبتي بيعة لا يتوقف معها عطائي حتى يتغمدني الله برحمته. ربما تراجع الكم الإنتاجي بسبب تقدمي في السن، لكن تظل الكتابة تسري في دمي وجودتها من حسن إلى أحسن، وسأظل أقدم تحياتي إلى وطني دون أي رياء أو نفاق.

• يقال إنك مخاوي الجن في تلك الفترة؟
ــ هذا كلام ردده الناس وفكر ساد في السابق، لكنه غير صحيح ولم يمر علي ولا أعرفه، لكنني أعتبر أن الشعر إلهام من الله وسرعة بديهة، وأنا لست شاعرا فقط، بل كنت وما زلت في الملعبة أرد وأعرف الغطو والغبو وماذا يقول الشعراء، ومن الأشياء التي ساهمت في نضوج رؤيتي للصورة الشعرية أن والدي -رحمه الله- ظل يأخذني معه إلى ملاعب الشعراء ويشرح لي الصور الشعرية وأساليب الردود لمن يدافع عن نفسه وعن قبيلته، وقد أثرت هذه الفترة في شعري كثيرا، وأنا أعتز بتجربتي ومعاناتي الخاصة التي عايشت فيها نشأة بلادنا حتى الآن، فانعكست على شعري بكثير من النضج والشمول.

• هذا يعني أن شعرك ينطلق دائما من معاناة؟
ــ إلى حد ما، لكن تظل معالمي الشعرية وصفية لمعاناة الآخرين أكثر من معاناتي الشخصية وأجسدها في صورة أغنية ليتغنى بها كل إنسان.

• يقال إن قصائدك الحبيسة أكثر من المطلقة؟
ــ هذا صحيح، ولدي من القصائد ما لا يمكن نشره؛ لأنه يضعني في مآزق أنا في غنى عنها.

• لكنك لم تكتب شعرا سياسيا رغم معاصرتك لكثير من الأحداث السياسية المحلية والعربية والعالمية على مدى قرن تقريبا، لماذا؟
ــ أنا لا أحب اللعبة السياسية التي تعتمد على المصالح المتغيرة بين اليوم والغد، ولا أستطيع أن أكون مثل أدونيس عندما شتم العرب ثم مدحهم عندما زار دولة عربية مجاورة فاتهموه بالدجل، وأنا لا أحب الميل إلى جهة دون أخرى وتوظيفها في شعري.

• ما سبب تحولك إلى الشعر البيني الذي يجمع العامي والفصيح والذي فسره البعض بعدم قدرتك على مجاراة لشعراء الفصحى في تلك الفترة؛ مثل حمزة شحاتة ومحمد حسن فقي وغيرهما؟
ــ ليس عجزا عن مجاراتهم، لكنه شعر لا أرفضه ولا أدعيه، وأنا أكتب الشعر مثل أي شاعر مقفى وموزون، وهوايتي كلها المغنى، تجد رنينا غنائيا في شعري المقفى، لذلك لم يجد محمد عبده في حفلة التراث العربي في المغرب صعوبة في غناء قصيدتي التي قلتها عن المغرب في السبعينيات التي يقول مطلعها:
ودع اليأس وسافر واغترب
واشتر الحسن بأرض المغرب
دارها البيضاء فردوس الدنا
هي مهوى الغيد للمستعرب
جمعت في غيدها كل المنى
فتنة الغرب ونطق العربي
وكانت ردود فعل الصحافة المغربية للقصيدة الوصفية كبيرة، وكتب عنها ما لم يكتب في قصائد قالها شعراء أكبر وأشهر مني في تلك الفترة، والسبب أنني كتبت كلماتها على الرنين الغنائي الذي أجيده.

• الصور الشعرية موهبة أم تعلم؟
ــ الشعر يتم بالموهبة والتعلم وأنا لا أنكر ما قدمه لي أستاذي حسين سرحان من توجيه للتميز في الصورة الشعرية، وأتذكر في تلك الأيام القصيدة التي قالها قاسم أمين في زوجة النحاس باشا، وكان الحجاب منتشرا في مصر في تلك الفترة فقال:
ارفعي الستر وحيي بالجبين
وأرينا فلق الصبح المبين
فأعجبتني قدرته التصويرية فقلت للأستاذ حسين سرحان: عندي رد عليها يقول:
اطلق الأنظار من ساحتها
فلقد آن لها أن تستكين
فالشعر مداخلات وأنا تعلمته في المدرسة مع أستاذي عبد الرحمن أسعد بطريقة القصائد المطرزة التي تقال في المجسات ومناسبات الزواج، وأسمع أغنية كوكب الأرض التي تغنى بها محمد عبده وسموها أغنية سياسية ماذا تقول:
كوكب الأرض عزيز في المدار
وبلاد النور غرة كوكبي
بعث المختار فيها واستدار
زمن الحب بتاريخ النبي
هذه القصيدة تكلمت فيها عن الإرهاب قبل ظهوره بـ20 عاما، وفيها من الصور ما يستدير به العقل.

• لكن الملاحظ أن شعرك يدور في فلك المحلية وليس له انتشار عربي؟
ــ أنا لا أتعامل مع الفنانين والفنانات إنما مع الملحنين، وقد تعاملت مع عدد كبير من فناني الدول العربية خصوصا لبنان ومصر.

• لم تغنِ لك أم كلثوم أو فيروز مثلا؟
ــ منهجي الغنائي ليس مركزا على البحث عن شهرة، ولو كنت كذلك لما خرجت الأسماء الشابة التي تنتشر اليوم في الساحة العربية، وأنا تعاونت مع الأخوة المصريين، وهناك تترات كتبتها للفنانة شريفة فاضل لكنها لم تنشر، وبالنسبة لأم كلثوم فقد كان صبحي الصحراوي، ابن بلدها، صديقا لي وحدثها عني فقالت له: طيب، ولكن لم يحدث شيء.

• ليه؟
ــ لأن هؤلاء الفنانين يحتاجون إلى تزلف ويحبون من يدفع لهم، خصوصا أن السعودي في تلك الفترة كان محاطا بإشاعة أن عنده بئر بترول خاصة به.

• مع أن عبد الوهاب محمد من المعجبين بك؟
ــ جدا، وقال لي في إحدى المرات أنا أؤمن بصورة أخذت مزاجي في كلمات أغنية لفائزة أحمد وطلال مداح قلت فيها:
تصدق والا أحلف لك
عجزت بلساني أوصف لك
نعيم الحب في قربك
وإنت كريم في أصلك
ودا قلبي على يدي
وهو أغلى ما عندي
وتبغى زيادة في حبك
أجيب لك قلب ثاني منين
عبد الوهاب اتجنن على صورة «ودا قلبي على يدي وهو أغلى ما عندي»، لذلك عندما تسمع الأغنية انتبه لصورها الشعرية إن وجدتها فهذا سرها.

• كيف نجحت في تركيب الكلمات على النشيد الوطني الذي عجز عنه كبار الشعراء؟
ــ عندما عرض موضوع تركيب الكلمات على الشعراء الكبار؛ مثل أستاذي ومعلمي حسين سرحان والأمير عبد الله الفيصل ومحمد حسن فقي، قالوا إن تركيب الكلمات على موسيقى المارشات العسكرية غير ممكن، ولو أردتم أن نعمل لكم سلاما جديدا بأي كلمات من الشعر فيمكن ذلك، ولكن رفضت الفكرة؛ لأن السلام الوطني الحالي مرتبط بالملك عبد العزيز وتأسيسه لهذه البلاد، فاقترح عليهم الأمير عبد الله الفيصل ومعه حسين سرحان اسمي إن كانوا يريدون تركيب الكلمات على اللحن، وفي تلك الفترة لم أكن معروفا بما فيه الكفاية فتأجل الموضوع وتجدد في عهد الملك فهد رحمه الله.

• وهل عملية تركيب الكلمات على اللحن عيب في تركيب أية أغنية؟
ــ المسألة تكونت عندي بتراكم الخبرات والمواقف، فجماعتي كانوا يغنون بيتا من الشعر في قصيدة ضائعة فلم يكن هناك توثيق أو تسجيل أو رواج للغناء في تلك الفترة فيقولون لي: «سوي لنا مثله» فأركب لهم كلمات شعرية على ألحانهم فتدربت على تركيب الكلمات الغنائية، وزاد من خبراتي معرفتي باليماني والموشحات الأندلسية المسماة بالصهبة، التي تعلتمها من فرقة المريعانية وحفظي لكل أغنيات أم كلثوم دون استثناء بكل مقاطعها الموسيقية.

• أغنيات أم كلثوم السنباطية أم الوهابية؟
ــ كلها، وأم كلثوم تظل هي المحور الأساسي أيا كان الملحن، كما هو محمد عبده لدينا إن غنى نبطيا أو مقفى موزون أو أية حاجة فسيظل محمد عبده .

• ما دام ذكرت محمد عبده.. لماذا تباعدت المسافة بينكما في السنوات الأخيرة؟
ــ بدأ الناس يكتبون بزخم وهو يغني لهم.

• بمقابل؟
ــ لا أدري عن هذا الأمر.

• يعني هل يعقل أن تكون كلمات الشعراء الآخرين أجمل من كلماتك لهذه الدرجة؟
ــ تستطيع أن تسأله شخصيا عن هذا الأمر، لكن عن نفسي فلم يسبق لي ولن يحدث أبدا أن طلبت قرشا واحدا لكي تغنى كلماتي.

• حتى إن جاءتك على شكل هدية؟
ــ ومن يرفض الهدية، أنا أتحدث عن كلمات أقدمها مقابل مال، هذا أمر لا يمكن أن أعمله ولم يحدث يوما أن أخذت أموالا حتى من شركات الإنتاج.

• الدنيا تغيرت والمسألة أصبحت «احتراف وأكل عيش»؟
ــ تجاوزت هذه المرحلة.

• من باب أنها أمر مبتذل مثلا؟
ــ الفنان إذا وضع المادة هدفا أساسيا له سيضيع جزء كبير من فنه مهما كان، وعندما تعطيني نص لأغنيه لك بمقابل؛ سواء ناسبتني الكلمات أو الصورة أم لا، فهذا يعني أنك صادرت شعوري.

• لكن -بالمقابل- هناك كلمات جميلة كتبت ودفع لمطربين كبار لتأديتها ونجحت؟
ــ هذا صحيح، لكن صدقني شعورك وأحاسيسك تختلف كليا عندما تغني دون مقابل، ولايعرف الفرق إلا من جرب.

• وهذا سبب عدم وجود شعراء الكلمة الجميلة؟
ــ الشعراء موجودون بكثرة، لكن البعض لا يرغب في السير مع التيار والبعض الآخر كتب من أجل قطعة أرض فضاع شعره.

• كيف تنظر لتعاون محمد عبده مع الشيخ عائض القرني؟
ــ فرحت جدا بهذا التعاون واعتبرته فتحا، لكنه باب أغلق بسرعة نتيجة الضغوط التي تعرض لها الشيخ القرني.

• مم؟
ــ من الرافضين للتعاون بين شيخ وفنان.
• لكنك لم تتعاون مع طلال بنفس حجم حماسك لمحمد عبده؟
ــ نهج طلال يختلف عن محمد وأستاذه في الغناء المرحوم عبد الله محمد الذي لم يأخذ حقه من الإعلام، كما لم يأخذ من علم طلال مداح عزف العود (عبدالرحمن خوندنة) حقه أيضا، والرجل ما زال على قيد الحياة، وأتمنى أن يلتفت له أبناء طلال مداح بما يستحق. وأنا لا أؤمن بالتفريق بين الفنانين فاللي أصغر مني ولدي واللي في عمري أخويا واللي أكبر مني أستاذي ولم أكتب أغنية متعاطفا مع طلال أو محمد ولكن بحكم بداية محمد عبده معي في الوقت الذي كانت فيه الساحة طلالية فالناس تظن أنني ميال له، لكن الحقيقة أنه تفوق على نفسه بفضل موهبة الفنان وحسن التصرف التي يملكها في الوقت نفسه، واستمر إلى الآن دون أي منافس، ونجح في التمدد خارجيا أكثر من طلال، فيما كان طلال -رحمه الله- منكفئا على الداخل فنال شهرة وجمهورا أكبر، وأعتقد أن محمد عبده يستحق شهادة دكتوراة من اليمن؛ لأنه أحيا كل أغاني التراث اليمني وسجلها في ألبوماته وهو ما لم يفعله فنانون يمنيون كبار، وفي حياته تجارب قاسية ومعاناة لم تمر على طلال.

• هل نستطيع أن نقول إن الأغنية السعودية فقدت هويتها ونكهتها باعتمادها على خط واحد فقط؟
ــ الأغنية السعودية تسير فعلا على وتيرة واحدة وهي مصابة بما يصاب به الزرع في أوج نموه، ومن الأمراض التي اجتاحتها المادة والأنا وحب الظهور والتقدم السريع الذي يرغبه الملحن والمغني والمنتج في آن واحد، لكنها تملك عناصر النهوض والعودة بسرعة إذا فتحت المعاهد الموسيقية والمسارح وظهرت الفرق الموسيقية. وأتذكرعندما أنشئت جمعية الثقافة والفنون كم كانت محاربة ونظرة المجتمع لها تصادمية، ولم يكن أحد يقتنع بأن لدى الفنان والمثقف ما ينفع به الوطن لولا وقفة سمو الأمير محمد العبد الله الفيصل الذي أوجد لها مقرا، ولولا عنصر الدعم الذي لقيته الأغنية السعودية من الأمراء لما نجحت، بل إن أي فنان إن لم يكن له ظهر قوي يستند إليه فلن ينجح في الوسط الفني.

• لم يبق للفن الحجازي سوى جلسات خجولة مثل أحدية جميل محمود؟
ــ جميل محمود فنان كبير ويكفيه برنامج (وتر وسمر) الذي جمع فيه التراث الحجازي، وأنا أحضرأحديته بين فترة وأخرى، لكن مثل هذا الجهد ينبغي أن تتبناه الإذاعة وليس جميل محمود.

• وهل ما زالت مفردة إبراهيم خفاجي مطلوبة؟
ــ هذا موضوع تقييمه يأتي من الآخرين، لكن ما زالت كل الأغاني التي عملتها مطلوبة حتى الآن في كل حفل ومناسبة بعد مضي 40 سنة تقريبا، وكتابة الأغنية لا توضع على نمط معين، بل تحتاج مني ككاتب أن أضع لها هذا التصور أيضا. لكن إبراهيم خفاجي أخذ وقته وفرصته وهذا مجال يتطلب التجديد دائما.

• وهذا ما يستدعيني لأسألك عن حقيقة تدخلك في ألحان الكلمات التي تؤلفها مع كل المطربين؟
ــ بالنسبة للمطربين الجدد أساعدهم على توجيه الكلمة للحن معين من خلال تجربتي ولا أفرض وجهة نظري عليهم.

• قلت في حفل تكريمك بإثنينية الخوجة إن الثقافة المعنوية منعدمة، ماذا تقصد؟
ــ أنت شايف بعينك سيطرة المادة على كل شيء، تصور أن يأتيني بعض الفنانين إلى بيتي؛ فتجتمع الكلمات الحلوة والصوت الجميل والنص الغنائي الجيد، لكنه يفتقد للحركات المشوقة التي يرغبها صاحب الاستديو الذي سينتج له الألبوم بطموحاته المادية التي لا تنتهي وتحكمه في كل شيء، وهكذا كل شركات الإنتاج.

• هذا تخريب للذوق العام؟
ــ للأسف أن هذا هو الواقع من منطلق أنهم يريدون أن يعيشوا ومن ثم فلن تجد أغاني مطولة بصور جميلة؛ لأن المنتج يريد لغة الترقيص فقط.

• في ظل وجود ملحن كبير مثل الأستاذ غازي علي كملحن، ووجودك ككاتب كلمة، لماذا لا تظهر الأعمال الجميلة في الساحة؟
ــ غازي علي مدرسة ورجل عبقري وعطاؤه ثر كيفا وليس كما، وله شخصية يعتز بها كثيرا، ومنهجه الملتزم سبب في ابتعادهم عنه، لكنه ما زال يعلم ويدرس ويخرج كوادر جميلة للساحة.
• لماذا لم تكتب للأطفال بنفس التميز الذي كتبت به عاطفيا؟
ــ كتبت، اسأل سامي احسان: أين ذهبت الأغنيات الـ17 التي أعطيتها له ولحنها عن الأطفال.

• 17 أغنية لم تظهر واحدة منها؟
ــ للأسف، أنها أهملت لأنه ليس وراءها كسب مادي أوشهرة أدبية.
• هل تحتفظ بالكلمات التي تكتبها في دفاترك؟
ــ هوايتي أن أكتب لا أن أسجل، وواحد من أكبر عيوبي هو عدم الاحتفاظ بما أكتب ولم يكن لدي في يوم من الأيام أي تسجيل لهذه الأمور.
• من هو أكثر من أعطى كلماتك الإحساس الذي تريد؟
ــ ليس هناك مطرب معين؛ لأن لكل كلمة صورا.
• أكثر من عكس صورك الشعرية؟
ــ بحكم تواجدي مع محمد عبده من صغره، أستطيع أن اقول إنه أكثر الناس قربا من فهم أحاسيسي الشعرية.
• وطلال مداح رحمه الله؟
ــ طلال لا يتكرر ولا دخل لهذا الموضوع في مسألة أنني ميال لطلال أومحمد عبده، فأنا ككاتب أغنية لايمكن أن أنحاز لفنان معين أو حتى ناد معين.

• لكنك انحزت للهلال بقصيدتك الشهيرة (اذا لعب الهلال فخبروني فإن الفن منبعه الهلال)؟
ــ نحن كفنانين لا يمكن أن ننحاز لا للاتحاد أو الهلال أو الوحدة ولا لأي فريق دون الآخر، والشعر اللي قلته في الهلال جاء باعتباري نائبا لرئيس الهلال في تلك الفترة مع الشيخ عبد الرحمن بن سعيد.

• مع أنك وحداوي؟
ــ بدايتي كلاعب في الوحدة في مركز (السنتر هاف) وعندما ذهبت إلى الرياض من أجل الوظيفة ارتبطت بالموظفين الذين كانوا يلعبون في الرياض، ثم عدت إلى مكة المكرمة عندما اضطرتني ظروف الوالد للعودة، ومازلت وفيا لمكة المكرمة وللنادي الذي حصل على أول كأس للملك، رغم تغير الأيام فالوحدة لم تعد كما كانت.

• هذا يعيدني لسؤال متكرر بحكم معاصرتك لتأسيس الفريقين.. من الأقدم الوحدة أم الاتحاد؟
ــ الوحدة أقدم وجودا ولكن الاتحاد سجل رسميا كأول فريق، وفي وقت تسجيل الاتحاد كانت الوحدة اسمها (المختلط) لوجود عدد من لاعبي الفرق الأخرى معهم، كانوا يفكرون أن يسجلوا رسميا مثل الاتحاد وكيف يوجدون ناديا.

• على كذا، نسقط قصيدتك على الاتحاد بعد فوزه بكأس الملك من أمام الهلال الأسبوع الماضي فنقول مثلا «إذا لعب العميد فخبروني فإن الفن منبعه اتحاد»؟
ــ ممكن جدا، ولاحظ أن إيقاعها لم يتغير، والاتحاد والهلال عينان في رأس.
• الملاحظ فتور علاقتك بصديقك وزميل المرحلة الموسيقار طارق عبد الحكيم في الفترة الأخيرة، في الوقت الذي توقع فيه الكثيرون أن يكون لاستواء تجربتكما دور في اثراء الساحة؟
ــ ليس بيننا أي فتور أوبعد ذاتي إنما هو بعد مسافي ليس إلا، والساحة الفنية لم تعد مشجعة فنيا لتقديم عمل متكامل، كما أنها متباعدة اجتماعيا ولم تعد كما كانت في السابق.

• وهدا سبب توقف تدفقك الشعري بعد التقاعد؟
ــ تقدر تقول ضعف نسبيا؛ لأنني تركت الوظيفة على أمل أن أتفرغ فانشغلت في الدنيا أكثر مما سبق؛ جريا وراء العقار وتربية الأبناء وتوفير لقمة العيش لهم.

• والراتب التقاعدي؟
ــ تقاعدت قبل 32 سنة، وراتبي التقاعدي بالكاد يكفي راتبي الخادمة والسائق، وأعتقد أن على أي متقاعد أن يوجد لنفسه مصدرا آخر للدخل ليسد احتياجاته، وإلا سيظل عالة على الآخرين، خصوصا في غياب أية ميزات تمنح للمتقاعدين في بلادنا عدا الراتب والمنولوج الدائم على لسان الناس (مت قاعدا) وتناسى الجميع أن للمتقاعدين ميزات وخبرات يمكن أن يقدموها في هذه المرحلة العمرية وتذهب هدرا وللأسف.

• لكنك لم تجرؤ على بيع كلماتك؟
ــ أنا لا أكذب ولا أدعي، فكثير من إخواننا الخليجيين عرضوا علي شيكات مفتوحة لأكتب لهم أغنيات، فرفضت لأنني بطبيعتي أصاب باكتئاب وفقد إحساس عندما يقال لي أكتب لنا بمقابل.

• لكن هناك إجماعا بأن السلام الوطني أجمل ما قدمت؟
ــ عجز كثير من الشعراء عن تركيب الكلمة على المارشات العسكرية للسلام الوطني ونجاحي في ذلك أعطاني رصيدا كبيرا عند الناس.
• أي ناس -يا عم إبراهيم- وطلابنا على الأقل الذين يرددون النشيد يوميا في طابور الصباح، لا يعرفون أنك مؤلف كلمات هذا النشيد؟
ــ في فمي ماء كثير.

• من المسؤول عن هذا التجاهل؟
ــ مشكلة مجتمعنا الأنانية وحب الذات ولو على حساب الآخرين، وأنا واثق أن هناك من سيأتي بعد مائة سنة ليكتب عن إبراهيم خفاجي وما قدمه من موروث وعطاء بعيدا عن حب الظهور على حسابي. وفي الوقت الدي قدمت لبلدي ونقلت الكلمة الغنائية من وزن أغنية (يا ريم وادي ثقيف) إلى كوبليهات وأوصاف لم تحدث وستظل خالدة حتى بعد وفاتي وجعلت الدنيا تسمع الأغنية السعودية. تصور أنه لا يوجد كتاب واحد توثيقي أو أي عمل تسجيلي عن إبراهيم خفاجي بعد 86 سنة من العمر وأكثر من 1200 نص غنائي، بينما تصدر دواوين يومية لمن يقول 20 قصيدة فقط. في الوقت الذي تعد فيه رسائل ماجستير ودكتوراة عن مفردات إبراهيم خفاجي في الجامعات السعودية.

• هناك من يتسلق على حساب كلماتك؟
ــ عد وأغلط، وفيهم من هو أشهر من نار، خذ مثلا سامي إحسان يسألوه فيقول عندي أغنية من كلمات إبراهيم خفاجي فيلحنها ويأخذ نصيبه، وأنا أريد له أن يستفيد وراض عن تصرفه؛ لأن هذا حال السوق، وواحد آخر أراد أن يكمل بناء بيته فألفت له أغنية فلحنها وأخذ عليها 600 ألف ريال وربنا يرزقه.

• مع أنهم يأخذون بالملايين؟
أنا تكفيني اللقمة في الأكــل وأقــول: يا الله تنهضم. تــعـتـقــد أن عشــرة ملايين أو20 تسعدني، ايش أسوي بها، تقول أولادي ربي مغنيهم والحمد لله والفقير هو اللي يــفــقــره ربنا والغني هو اللي يغنيه أيضا. لكن على الإنسان أن يقدم لنفسه ولبلده، وتكفيني بعد أن أموت أن الناس تقول: الله يرحمه كان رجلا طيبا وقدم تضحيات جميلة. وأقولها صادقا: لا أنتظر تكريما من أحد بقدر ما أبحث عن راحتي النفسية بعد أي عمل جيد أكرمت به نفسي وبلدي.

عكاظ 30/5/1431هـ خوار : بدر الغانمي .