الشيخ صالح صيرفي.. رائد الأعمال الذي جعل الوقف الثقافي امتدادًا لرحلة الكفاح

يُعدُّ المغفور له بإذن الله الشيخ صالح بن حمزة صيرفي أحد الأسماء البارزة في تاريخ ريادة الأعمال السعودية، ومن الجيل الذي أسهم في بناء الاقتصاد الوطني قبل الطفرة الاقتصادية وبعدها. فقد جمع بين روح المبادرة، والانضباط المهني، والنزاهة في التعامل، والإيمان بأن النجاح الحقيقي يقترن بخدمة المجتمع، وهو ما انعكس في أعماله التجارية والخيرية والثقافية.

بدأ الشيخ صالح صيرفي مسيرته العملية صبياً في دكان والده للصرافة بمنطقة المسعى في مكة المكرمة، حيث تعلّم أصول المهنة في زمن كانت فيه الصرافة تقوم على الثقة والخبرة والعلاقات الإنسانية. ومع مرور السنوات استطاع أن يبني اسماً راسخاً في قطاع الصرافة والأعمال، حتى غدا من أبرز رواد هذا المجال في المملكة، وأسهم في عدد من الشركات الوطنية، من بينها بنك البلاد، وشركة طيبة القابضة، وشركة مكة للإنشاء والتعمير.

وقد وثّق جانباً من هذه الرحلة في كتابه «رحلة الكفاح في الصرافة والأعمال»، الذي لا يروي سيرة شخصية فحسب، بل يقدم شهادة على مرحلة مهمة من تطور النشاط التجاري والمالي في المملكة. وكتب مقدمة الكتاب صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، كما قدّم له رجل الأعمال الراحل الشيخ صالح عبدالله كامل، مشيدين بما اتسمت به تجربته من كفاح وأمانة وإسهام مجتمعي.

ولم تتوقف بصمات الشيخ صالح عند عالم المال والأعمال، بل امتدت إلى العمل الوقفي والخيري، إذ أولى اهتماماً خاصاً بدعم المبادرات الإنسانية، ورعاية ذوي الإعاقة، والمشروعات الاجتماعية، إيماناً بأن رأس المال الحقيقي هو ما يتركه الإنسان من أثر نافع بعد رحيله.

ومن هذا المنطلق جاءت مؤسسة المِداد للتراث والثقافة والفنون، بوصفها إحدى المبادرات الوقفية التابعة لمؤسسة صالح صيرفي الخيرية. وقد تأسست انطلاقاً من الإيمان بأن الثقافة ركيزة أساسية في بناء الإنسان، وأن الحفاظ على التراث وصناعة الوعي يمثلان استثماراً طويل الأمد في مستقبل الوطن.

وتسعى المؤسسة إلى أن تكون حاضنة للحراك الثقافي في مدينة جدة، وأن تقدم نموذجاً وطنياً في تحقيق التنمية الثقافية المستدامة، انسجاماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، من خلال دعم المتاحف، والمعارض، والمبادرات الثقافية والفنية التي تعزز الهوية الوطنية وتعرّف بالموروث الحضاري السعودي محلياً وعالمياً.

ومن أبرز مشاريعها متحف دار الفنون الإسلامية، الذي يمثل باكورة مشروعاتها المتحفية، على أن تتبعه متاحف ومعارض أخرى تُعنى بالفنون والتراث والتاريخ، بما يسهم في حفظ الذاكرة الوطنية وإثراء المشهد الثقافي السعودي.

إن تجربة الشيخ صالح صيرفي تقدم نموذجاً ملهماً لرائد الأعمال الذي أدرك أن النجاح الاقتصادي لا يكتمل إلا بالمسؤولية الاجتماعية، وأن الاستثمار في الإنسان والثقافة لا يقل أهمية عن الاستثمار في التجارة. ولذلك بقي اسمه مرتبطاً بالعطاء، وبناء المؤسسات، وترسيخ ثقافة الوقف التنموي الذي يمتد أثره عبر الأجيال.

بقلم : ا. د بكري معتوق عساس |  نقلا عن صحيفة مكة الالكترونية