صالح صيرفي.. حين يصبح الوقف ذاكرةً للأمة
ترجّل فارسُ العمل الخيري، وغادر جوارنا إلى جوار ربٍّ كريم، بعد أن خلّف أثرًا يكتب بمداد من ذهب. وكما أن الناس شهداء الله في أرضه، فما شهدنا للشيخ صالح صيرفي رحمه الله إلا بطيب السيرة، وسعة العطاء، وصدق الحرص على خدمة المجتمع. ولعل من أعظم ميادين عطائه ما قدّمه للعمل الخيري الثقافي، حتى صار أحد أبرز روّاد هذا المجال في المملكة. كانت رؤيته رحمه الله سابقة لزمانها، حين خصّص جزءًا معتبرًا من وقية الشيخ صالح صيرفي لدعم المشاريع الثقافية، إيمانًا منه بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء العمران. وقد منّ الله عليّ بأن أكون شاهدًا ومشاركًا في تأسيس عدد من تلك المشاريع التي كانت حلمًا يراوده، وفي مقدمتها المتاحف الدائمة التي خصص لها طابقًا كاملًا بمساحة ١٠،٠٠٠ متر مربع في مجمع جدة بارك؛ وهي مساحة استثمارية كان يمكن أن تدر ملايين الريالات، لكنه آثر أن يجعلها وقفًا دائمًا للثقافة والتراث.
وأذكر رغبته رحمه الله وشغفه بإطلاق متحف بمواصفات عالمية في ذلك المكان عام ٢٠١٨، فتقلد زمام المهمة الابن البار م. أنس بن صالح صيرفي ، فأسس أولًا مؤسسة المداد للتراث والثقافة والفنون ، لتكون حاضنة لكافة الحراك الثقافي ومشرفة عليه، وبعد سنوات من العمل المتواصل يسر الله إطلاق متحف دار الفنون الإسلامية ، والذي افتتحه الشيخ صالح عام ٢٠٢١ ليصبح إحدى أبرز الوجهات الثقافية في مدينة جدة. وقد تجلت بركة الله في كل مشروع موّله رحمه الله، فكان العمل ينجز في وقت قياسي، ويخرج بأفضل صورة، ويحقق أثرًا يفوق حجمه وإمكاناته؛ ففي عام ٢٠٢٢ افتتح متحف المكتين ، وأذكر كلمته المؤثرة عندما وقف أمام باب الصفا في المتحف فقال لابنه م. أنس: "هذا أعظم عملٍ عملته في حياتي"، في تعبير صادق عن حبه لمتحف يوثق تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وبعد ذلك بعام، افتتح رحمه الله متحف الشفاء ، أول متحف يُعنى بتاريخ إسهامات العلماء المسلمين في الطب والجراحة، ثم أعقبه عام ٢٠٢٤ بافتتاح متحف الزهرة للأزياء والحلي التراثية بالمملكة ، الذي حمل اسم رفيقة دربه السيدة الفاضلة زهرة قطان، والتي أسهمت بدورها في تأسيسه بإهداء مجموعتها النفيسة من الأزياء والحلي التراثية التي جمعتها على مدى عقود. ولم يقتصر عطاؤه على المتاحف، بل امتد إلى تأسيس دار الملتزم ، التي دعمت دراسة وتحقيق وطباعة عشرات الكتب التاريخية والثقافية، كما رعى رحمه الله إطلاق عدد من الجوائز الثقافية، والمعارض المحلية والعالمية، والندوات، والمبادرات التي أثرت المشهد الثقافي السعودي. رحم الله الشيخ صالح صيرفي رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والوطن وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
0 تعليقات