بيت الماء .. طهارة المكان وأدب التسمية في البيت المكي
بيت الماء .. طهارة المكان وأدب التسمية في البيت المكي
في البيوت المكية القديمة لم يكن بيت الماء مجرد مرفقٍ يومي بل كان مساحة لها حرمتها واسمها وأدبها ودورها العميق في حياة الأسرة.
وكانت هذه التسمية – بيت الماء – تسمية لطيفة مهذبة راقية تحمل في طياتها إحترامًا لأذن السامع وحياءً في اللفظ وذوقًا اجتماعيًا رفيعًا ميز أهل مكة عبر أجيال.
قبل أن تعرف هذه المساحة باسم الحمام كان أهل مكة يقولون:
«دخل بيت الماء» .. عبارة قصيرة لكنها محملة بالأدب والخصوصية والوقار.
اتساع المكان .. ووعي الحاجة
كانت بيوت الماء في البيت المكي واسعة وكبيرة لم تنشأ على عجل ولا وضعت في زوايا ضيقة بل خصص لها حيز كريم يراعي، حاجة الطهارة وسهولة الحركة واستخدام الماء دون إسراف وراحة للكبير والصغير
فالماء في مكة نعمة تقدر
وكل ما يتصل به يدار بعناية واحترام.
الحنفية المبنية .. حكمة الاستعداد
ومن أبرز معالم بيت الماء حنفية مبنية داخل الجدار لم تكن للاستخدام اليومي المعتاد بل كانت حلًا ذكيًا يستخدم عند انقطاع الماء.
فكانت هذه الحنفية تعبأ يدويًا من قبل السقا الذي يجلب الماء من البازان الملاصق لدار أبناء المرحوم أحمد محمد أزهـر بمحلة الشبيكة.
كان السقا جزءًا من منظومة الحياة يحمل الماء بعناء ويعرف البيوت ويقدر الحاجة ويؤدي عمله بأمانة وصبر. وكان أهل الدار يستقبلون الماء كنعمة لا كأمرٍ مسلم به.
براميل توتوه .. حين كبرت العائلة كبر التدبير
ومع ازدياد عدد أفراد العائلة واتساع البيت بالحياة جاءت الحاجة إلى حلولٍ أكبر. فتمت إضافة براميل توتوه وهي براميل كبيرة لتخزين الماء بكميات وافرة توضع بعناية وتملأ بانتظام لتكون مخزونًا استراتيجيًا يستخدم عند انقطاع الماء.
هذه البراميل لم تكن مجرد أوعية بل كانت رمزًا لـ: حسن التدبير والتخطيط للمستقبل ورعاية الصغار واحترام احتياجات الكبار
فكان الماء متوفرًا للجميع
صغارًا وكبارًا دون قلق ودون اضطرار.
بيت الماء .. ثقافة قبل أن يكون مكانًا
بيت الماء في البيت المكي لم يكن مساحة استعمال فقط بل ثقافة متكاملة: فكان ثقافة طهارة وثقافة حياء وثقافة احترام للنعم وثقافة ترتيب للحياة
حتى التسمية كانت درسًا في الأدب تقال بلطف وتفهم دون تصريح وتورث كما تورث القيم.
حمام الصابون .. لعب الطفولة وذاكرة الفرح
وللأطفال حكاية أخرى مع بيت الماء .. ففي ذلك الزمن الجميل كنا – ونحن صغار – نلعب بما كان يعرف بـ «حمام الصابون». لعب بريء وضحك صادق ورغوة صابون تملأ المكان دون إسراف ودون فوضى.
كان بيت الماء يتحول في تلك اللحظات إلى عالم صغير من الفرح تتعالى فيه الضحكات وتنسى فيه مشاغل الكبار،
ويحفر في الذاكرة مشهد لا ينسى.
بيت الماء .. ذاكرة لا تنقطع
فاليوم تغيّرت الأسماء وتطورت الأنظمة وتعددت الوسائل لكن بيت الماء في البيت المكي القديم بقي في الذاكرة رمزًا: للطهارة وللأدب ولحسن التدبير وللحياة التي كانت تدار ببساطة ووعي
وفي دار أبناء المرحوم أحمد محمد أزهـر بمحلة الشبيكة، كان بيت الماء شاهدًا على زمنٍ عرف كيف يحفظ النعمة ويصون الكلمة ويعلم أبناءه أن الماء .. حياة وأن الحياة تدار بالاحترام.
فبيت الماء لم يكن مجرد مكانٍ للاغتسال بل بيتا للقيم ومدرسة صامتة للأدب وذاكرة طهارة لا تنسى.
وما أجمل أن تبقى هذه التفاصيل حية في الذاكرة تروى وتكتب وتحفظ .. كما كانت.
✍️
بقلم:
أ.د. عصام إبراهيم أزهـر
0 تعليقات