المركب .. مطبخ العلو وحكمة التدبير في البيت المكي

في البيوت المكية القديمة لم يكن المطبخ مكانًا عابرًا لإعداد الطعام بل كان منظومة حياة تدار فيها شؤون الرزق اليومي بعقلٍ واعٍ وروحٍ مطمئنة وفهمٍ عميق لطبيعة المكان والإنسان. وكان يعرف باسم «المركب»؛ اسم يحمل دلالة القيادة والتنظيم إذ تدار فيه تفاصيل اليوم كما تدار المركب في البحر: بتوازن وصبر وحسن تقدير.

وقد اختير للمركب موقعه في أعلى المنزل لا رفعة شكلية بل علوًا وظيفيًا مقصودًا يحفظ راحة الدار ويصون المجالس والمبيتات في الأدوار السفلية من نفاذ روائح الطبخ ودخانه ويمنح البيت انتظامه وهدوءه.

غرفة مغلقة .. ونظام لا يعرف الفوضى

كان المركب غرفة مستقلة مغلقة لها باب واضح يفصلها عن بقية أجزاء البيت.
يفتح الباب عند العمل ويغلق بعد الفراغ فيبقى الطبخ محصورًا في مكانه وتبقى بقية الدار على نقائها وسكينتها.

هذا الإغلاق لم يكن عزلة بل تنظيمًا راقيًا يعكس وعي البيت المكي بأهمية الفصل بين الوظائف واحترام خصوصية كل مساحة داخل الدار.

المداخن .. عبقرية التهوية المكية

يعلو المركب مدخنتان مبنيتان من الطوب تعلوهما أغطية تشبه القرميد صممت لحماية البناء من مياه الأمطار.
أما عبقرية التصميم فتتجلى في أن الدخان لا يخرج من رأس المدخنة بل ينفذ من فتحات جانبية علوية صممت بعناية لتسمح بخروج الدخان وروائح الطبخ المختلفة بانسيابٍ طبيعي دون أن تفتح منفذًا مباشرًا للمطر. بهذا الحل البسيط قدم البيت المكي نموذجًا مبكرًا للتهوية الطبيعية الذكية: لا آلات ولا تعقيد بل فهم صادق للهواء والاتجاهات وحماية للمكان والناس.

مشهد الحياة داخل المركب

في الداخل تتجسد الحياة اليومية بهدوءٍ مهيب. نساء البيت يعملن بانسجامٍ لافت: إحداهن تُقلب القدر فوق الموقد وأخرى تعد الخضروات وثالثة تجهز ما سينقل إلى الأسفل

وبالمركب تتوزع الأواني النحاسية وتضاء الجدران الحجرية بفوانيس معلقة تبث ضوءًا دافئًا ينعكس على الأرضية ويمنح المكان هيبة العمل ووقاره. لم يكن المركب صاخبًا بل منظمًا هادئًا نابضًا بالحركة الرصينة التي تعرف ما تفعل ومتى تفعل.

الزنابيل .. رزق كل يوم بيومه

وعلى يمين الداخل إلى المركب كانت تقف الزنابيل الخسف شاهدة على ثقافة معيشية مكية أصيلة. تحوي هذه الزنابيل الخضروات واللحوم الطازجة التي كانت تشترى كل يوم من السوق الصغير بمكة المكرمة يومًا بيومه دون تخزينٍ طويل أو إسراف. فتجد زنبيل للخضروات يضم ما جادت به السوق في ذلك اليوم من خضرةٍ موسمية. وبجواره زنبيل آخر للحوم طازجة ونظيفة تحضر فورًا دون تأجيل. فلم تكن هذه الزنابيل مجرد أوعية بل فلسفة حياة وقناعة بأن البركة في الطازج
وأن الرزق إذا أُحسن تدبيره كفى وزاد.

روائح تصعد .. ولا تعبر

رغم كثافة العمل وتنوّع الأطعمة بقيت روائح المركب محصورة في العلو. تصعد خفيفة عبر فتحات المداخن الجانبية ثم تتبدد في الهواء دون أن تنفذ إلى المجالس أو تلامس هدوء المبيتات.

كان أهل البيت يعرفون اقتراب الوجبة لا من الرائحة بل من الإيقاع .. من حركة النساء ومن ترتيب الأواني
ومن ذلك الانسجام الصامت الذي لا يخطئه من عاشه.

المركب في المواسم .. حينما يتضاعف العطاء

ففي شهر رمضان يتحول المركب إلى خلية عمل عامرة .. إفطار يعد وسحور يسبق ودعوات تهمس بين القدور. وفي مواسم الحج يتعاظم دوره أكثر فيصبح مصدر طعامٍ وكرمٍ للضيوف والحجاج فتجهز الوجبات في الأعلى وترسل إلى الأسفل بترتيبٍ واحترام. كان المركب يعمل بصمت لكن أثره حاضر في كل مائدة.

فالمركب في البيت المكي القديم لم يكن مجرد مطبخ بل نظام حياة متكامل يجمع بين الذكاء المعماري وحسن التدبير واحترام النعمة وصون الخصوصية.

وفي بيت أبناء المرحوم أحمد محمد أزهـر بقي المركب شاهدًا على زمنٍ عرف كيف يجعل من البساطة جمالًا
ومن العلو حكمة ومن الطبخ رسالة بيتٍ متماسكٍ كريم. 

✍️
بقلم : أ.د. عصام إبراهيم أزهـر