السطح .. حين يتحول الليل إلى بيتٍ مفتوح للنجوم
ومع اشتداد حر الصيف كان سطح بيت آل أزهـر يتحول في المساء إلى غرفة نوم واسعة بلا جدران وسقفها السماء وأضواؤها النجوم.
هناك كانت تفرش الكرويتات العريضة ترص بعناية وهدوء وكأنها صفوف من الطمأنينة وتمد فوقها الطواويل النظيفة ثم تغطى بـ الناموسيات البيضاء حمايةً من لدغ البعوض وحرصًا على نومٍ هانئ لا يقطعه سوى نسيم الليل.
كانت الناموسيات تتدلى برفق وتتمايل مع الهواء
فتبدو كستائر حلمٍ شفيف .. يحفظ النوم ويمنح الجسد راحة ويطمئن القلب.
كم من ليلةٍ نامت فيها العائلة كلها متجاورة الكبار في سكون الرضا .. والصغار في عمق النوم وأصوات المدينة تهدأ شيئًا فشيئًا حتى لا يبقى سوى همس الريح ونبض البيت.
سطح الحياة اليومية .. حيث العمل جزء من العبادة
وفي النهار كان السطح يؤدي دوره الآخر بكل بساطة وجمال. فيستخدم لنشر الغسيل فتعلق الثياب البيضاء والملونة تتراقص مع الشمس وتفوح منها رائحة الصابون والنقاء.
كان منظر الغسيل المنشور لوحة يومية مألوفة تخبر المارة أن في هذا البيت حياةً تدار بهدوء وأن العناية بالتفاصيل جزء من كرامة العيش.
كانت النساء يصعدن إلى السطح، ينشرن الغسيل ويقلبن الثياب لتجف على مهل ويتبادلن كلمات عابرة ويدعين بدعوات خفيفة لا يسمعها إلا الله.
فالسطح لم يكن فقط مكانًا للخدمة بل مساحة عملٍ شريفة يتحول فيها الجهد اليومي إلى طقسٍ من النظام والرضا.
ليلٌ للراحة .. ونهار للحياة
هكذا كان السطح في بيت آل أزهـر، في النهار… حركة شمس غسيل وترتيب.
وفي الليل .. كرويتات طواويل ناموسيات ونوم عميق تحت السماء .. سطح يعرف متى يكون صاخبًا بالحياة ومتى يتحول إلى ملاذٍ للراحة.
هو المكان الذي جمع بين العمل والسكينة بين النهار والليل بين التعب والطمأنينة.
إضافة إلى الذاكرة
حين نستحضر السطح اليوم لا نتذكره فارغًا .. بل نراه مفروشًا بالكرويتات مضاءً بضوء القمر مغطى بالناموسيات ومعلقًا عليه غسيل نظيف يتحرك مع النسيم.
نراه كما كان حيّا بسيطًا وصادقًا.
ذلك هو السطح في بيت آل أزهـر .. مساحة عاشت فيها الأسرة تفاصيلها اليومية،
ونامت أحلامها وارتفعت دعواتها إلى السماء بلا حواجز.
✍️
بقلم : أ.د. عصام إبراهيم أزهـر
0 تعليقات