البروفسور شيخ بن محمد جمل الليل

ضيف المشوار من مواليد حي «الشبيكة» في مكة المكرمة فليس غريباً أن يكون مطوفاً أباً عن جد، وعلى الرغم من حصوله على أعلى الدرجات العلمية من بريطانيا، فإنه يقول إنه لا يحب أن ينادى يا دكتور إلا في الإطار الأكاديمي.

مع البروفسور شيخ بن محمد جمل الليل استرجعنا شريط الذكريات.. مراحل تعليمه وقصة زواجه ومسيرته الأكاديمية والعلمية.

 

 

 

النشأة والطفولة

بداية ماذا تختزن الذاكرة عن مرحلة الطفولة؟

- ولدت في مكة المكرمة ونشأت في حي الشبيكة، وكان منزلنا عبارة عن وقف للعائلة مكون من حوش كبير به خمسة مبانٍ كنا نسكن في واحد منها مع جدي، وكان المنزل يضم الأسرة الممتدة المكونة من الجد والجدة والعمات والأعمام، وكنا جميعاً نأكل على سفرة واحدة عندما كنا في مكة المكرمة؛ لأن والدي أخذ أبناءه وبناته ودرسهم كلهم في مصر ومنهم الوالد، وكان يسكن في القاهرة ولا يعود لمكة إلا في موسم الحج الذي كان يستعد له من شهر شعبان بحكم عمله في مهنة الطوافة كمطوف. وبالنسبة لي فقد ذهبت لمصر برفقة والدي وجدي وأنا طفل صغير؛ لأن والدي كان يدرس وقتها في جامعة القاهرة.

وماذا كان يدرس الوالد؟

- كان يدرس في التعليم الفني أي فني ميكانيكي، وأعمامي الاثنان تخرجا من الكلية الحربية المصرية، وعماتي كلهن درسن في القاهرة، وعندما تخرج الوالد عُيّن مديراً لمركز التدريب المهني في الرياض ثم انتقل عمله إلى جدة، حيث عمل مديراً للمعهد الصناعي بجدة ثم مديراً للمعهد الصناعي في المدينة المنورة ثم مديراً للمعهد الصناعي في الجوف ثم مديراً للمعهد الصناعي بمكة ثم طلب التقاعد المبكر وتقاعد بناء على طلبه. ونحن انتقلنا مع الوالد في العديد من مناطق المملكة بدءاً من الرياض ثم جدة ثم المدينة المنورة ثم سكاكا.

هل كان ذهاب الوالد للدراسة بجامعة القاهرة مبتعثاً من قبل الدولة أم على حسابه؟

- لا، بل ذهب مبتعثاً من قبل الدولة، وكان معظم السعوديين وقتها يبتعثون للقاهرة، وكانت إدارة البعثات في القاهرة؛ فالوالد ابتعث من هنا وكان يحمل شهادة التوجيهية عندما تم ابتعاثه، وكما قلت لك بأن عماتي كلهن درسن بالقاهرة ومنهن عمتي الدكتورة نوال التي درست لغاية التوجيهية هناك ثم أكملت دراستها الجامعية والعليا في الباكستان؛ وهي تعد أول دكتورة سعودية في الطب تخرجت من الباكستان.

كيف كانت مكة المكرمة وقتها بخاصة حي الشبيكة الذي نشأت فيه؟

- كانت الشبيكة تضم البيوت القديمة.. أتذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر بيت الأزهر، وبيت العلاف، وبيت باصم، وبيت السندي وغيرهم، وكانت الناس في مكة كلها على قلب رجل واحد؛ وكان الجار يسأل عن جاره ويتفقد أحواله ومثله بقية سكان الحي، ولم يكن الأب فقط هو الذي يربي وإنما كان الجيران أيضاً يربون وينبهون؛ وهذا كله اختفى الآن، وكانت الحياة بسيطة وبساطتها أعطت الناس نوعاً من الراحة النفسية انعكست على إنتاجهم الذي كان أكثر منا بسبب ضغوط الحياة التي نعيشها اليوم؛ فأصبح الواحد منا عندما يريد أن يتحرك من مكان لمكان تجده في حالة غليان وقلق بسبب الازدحام الشديد وضغوطات العمل والحياة بينما كل هذا لم يكن على أيامنا.

وكف كانت الرياض وقتها؟

- كانت الرياض تتكون من الشوارع الرئيسة المعروفة، وكان حي الملز أحدث منطقة في الرياض، وكنا نحن نسكن في شارع السويلم القريب من الديرة قبل قصر الحكم وكانت الرياض وقتها مدينة صغيرة، وكانوا يعتبرون الملز خارج المدينة، وكانت غالب البيوت طينية، وكانت مكة المكرمة أكثر تطوراً من الرياض من الناحية الحضارية في ذلك الوقت.

 

على مقاعد الدراسة

ماذا عن مراحل الدراسة؟

- التحقت بالصف الأول الابتدائي في مدرسة بالرياض لا يحضرني اسمها ودرست بها الثلاثة صفوف الأولى من هذه المرحلة ثم تنقلت بين العديد من المدارس نظراً لطبيعة عمل الوالد في العديد من المدن، فبعد أن حصلت على الصف الثالث الابتدائي من الرياض، جئت إلى جدة ودرست بها الصف الرابع والخامس الابتدائي في مدرسة سعد بن معاذ، ثم انتدب الوالد إلى سكاكا وهناك درست جزءاً من الصف السادس الابتدائي، وحدث أنني مرضت في تلك السنة فاضطر الوالد لأن يترك العمل في سكاكا ويرجع إلى جدة، حيث عدت لإكمال هذه السنة في مدرستي السابقة مدرسة سعد بن معاذ بجدة ومنها حصلت على الشهادة الابتدائية.

وبعد الحصول على الشهادة الابتدائية من مدرسة سعد بن معاذ بجدة؟

- بعدها التحقت بمدرسة الفلاح المتوسطة بجدة عندما كان مديرها الأستاذ السيد محمد رضوان - رحمه الله - ثم انتقلت للمرحلة الثانوية، حيث درست الصف الأول الثانوي في ثانوية الفلاح بمكة المكرمة ثم رجعت للرياض والتحقت بمدرسة الملك فيصل بالرياض، لكن الوالد رجع بعدها لمكة المكرمة وفي مكة التحقت بالثانوية العزيزية ومنها حصلت على شهادة الثانوية العامة.

من أبرز زملاء الدراسة؟

- معالي المهندس عادل فقيه وزير العمل، والدكتور جمال حمدي وكيل كلية الطب بجامعة أم القرى سابقاً، والأستاذ عبدالواحد برهان سيف الدين، والبقية معظمهم أساتذة في الجامعات.

ومن أبرز الأساتذة الذين تدين لهم بالفضل والذين أثروا في حياتك؟

- السيد محمد رضوان - رحمه الله -، وكنا نخاف منه كثيراً؛ لأنه ذو شخصية قوية، والسيد علوي مالكي والسيد إسحاق عزوز رحمهما الله.

 

الفلكة مرة واحدة

هل كانت الفلكة موجودة على أيامكم؟ وكم مرة ذقت طعم حرارتها؟

- يضحك بشدة ويقول: نعم، كانت الفلكة موجودة وقد أكلتها مرة واحدة بسبب مشكلة حدثت بين الزملاء في الفصل أعقبتها مضاربة انكسر على أثرها شباك الفصل؛ فجاء مدير مدارس الفلاح السيد محمد رضوان وسأل من الذي كسر الطاقة فسكت الجميع ولم يقل أحد بأنه هو الذي كسرها؛ فقال إذاً الفصل كله سيوضع في الفلكة فقمت أنا وقلت له الذي كسرها هو فلان وفلان فقام بوضعهما في الفلكة وضربهم علقة ساخنة، وبعد أن انتهى منهم نظر إليّ وقال الفتنة أشد من القتل وقال للعم إلياس هيا ضعوه في الفلكة فوضعني في الفلكة العم إلياس ومعه شخص آخر ورفعوا رجليّ عالياً وأنا نائم على ظهري في الأرض وهو يضربني بكل ما أتاه الله من قوة، وبعدها قلت توبة والله لن أبلّغ عن أحد مهما عمل لكي لا أوضع في الفلكة مرة ثانية.

 

في كلية رضا الوالدين

وبعد الحصول على الثانوية العامة أين كانت الوجهة؟

- قدمت أوراقي للالتحاق بالكلية الأمنية، وكانت أيامها هناك بعثات لوزارة الدفاع لأمريكا وأوروبا لكن الوالد رفض وقال لي بطريقة غير مباشرة أنا لست راضياً عن كل ما عملته؛ وكان يريدني أن أكون بجواره فاضطررت لأن أنسحب، وذهبت وسجلت في الطيران وبعد أن قبلت وجئت له لأبشره فإذا به يرد عليّ قائلاً: ليس هذا هو الذي أطمح فيه منك، أنا لا أريدك أن تكون سائقاً لكن الفرق هو أنك لابس بدلة أفرنجي يقصد طياراً، حاولت أن أقنعه بأن مهنة الطيار لها مستقبل لكنه رفض فانسحبت وسجلت في كلية الهندسة بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وبعد أن قبلت جئت له لأبشره كالعادة لكنه رفض أيضاً وقال لي إذا تريدني أن أكون راضياً عنك أدخل كلية رضا الوالدين.

ماذا كان يقصد؟

- كان يقصد بأن التحق بكلية التربية بمكة المكرمة والتي كانت شطراً لجامعة الملك عبدالعزيز، فذهبت وسجلت في كلية التربية. وأذكر بأنهم سألوني في المقابلة الشخصية ما سبب التحاقك بكلية التربية؟ فقلت لهم الحقيقة وهي أنني لا أطمح بأن أكون مدرساً ولكني دخلتها مضطراً لأكسب رضا الوالدين؛ فضحك جميع الأساتذة الذين كانوا يجرون معي المقابلة وقال واحد منهم: ألم أقل لكم بأن كلية التربية أصبحوا يسمونها بكلية رضا الوالدين؟!.

وفي أي الأقسام التحقت بكلية التربية؟

- التحقت بقسم الأحياء، وفي السنة الأولى لم أكن منسجماً مع التخصص لكن في السنة الثانية عندما لم أجد مفراً غيره اجتهدت ونجحت بتفوق إلى أن تخرجت، وربما كان لدى والدي بعد نظر أكثر مما كنت أتصور، وأعتقد لو كان في مكة وقتها كلية للهندسة لما قال لي لا لأنه لا يريدني أن أذهب إلى أي مكان خارج مكة ربما لأنني أكبر أبنائه ويريدني أن أكون بجواره في كل وقت، وكان عميد الكلية وقتها الدكتور رشدي أورقنجي والمسؤول عن شطر الجامعة بمكة هو معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة وزير الثقافة والإعلام الحالي.

كم كان ترتيبك على الدفعة؟

- كنت الثاني على دفعتي، وقد تخرجت وفي ذهني أن أصبح مدرساً في التعليم العام ولكن أحد أساتذتي غيّر مجرى تفكيري وجعلني أعدل عن هذه الفكرة.

ومن كان هذا الأستاذ الذي غيّر مجرى تفكيرك؟ وإلى ماذا كان التغيير؟

- هذا الأستاذ هو الدكتور عبدالفتاح خضير وهو أستاذ مصري كان رئيساً للقسم، وكان أحد الذين درسوني، فعندما علم بأنني سأقدم على وزارة المعارف وأصبح مدرساً قال لي لا، لا بد لك أن تواصل وتصبح معيداً فأنت طاقة لها مستقبل زاهر ولم يكن لدي الرغبة بأن ابتعث وأحصل على الماجستير والدكتوراه، ولكن تحت إلحاح منه قدمت على مقابلة المعيدية وكنا أربعين خريجاً فدخلت الاختبار وأجبت عن كل الأسئلة التي سألوها لي وأخذت الأول على المجموعة وأخذوني معيداً، حيث عملت معيداً لمدة عام.

 

معيد في الجامعة

وماذا بعد أن عملت معيداً لمدة عام؟

- بعد أن عملت معيداً لمدة عام تم ابتعاثي إلى أمريكا لمواصلة دراستي العليا، حيث سافرت إلى مدينة (تمبي) وبعد أن قضيت سنة هناك رجعت وتزوجت ثم عدت إلى هناك مرة ثانية ووجدت بأنني لا بد أن أقضي ثماني سنوات لكي أحصل على الماجستير والدكتوراه في الأحياء؛ فقلت هذه المدة طويلة عليّ إضافة إلى أنني كنت أتعب كثيراً من السفر؛ لأنه لم يكن هناك طيران مباشر إلى أمريكا فكان لا بد لي أن أسافر إلى لندن ومن هناك إلى أمريكا، وكانت الرحلة تستغرق مني ثماني وعشرين ساعة فاتفقت مع زميل لي بأن نرجع للمملكة ونطلب ابتعاثاً داخلياً وندرس في جامعة الملك عبدالعزيز، فرجعنا بالفعل وجلسنا ستة أشهر ولكن الجامعة لم توافق على طلبنا وقالت لا بد من الابتعاث الخارجي.

وماذا عملتما؟

- قررنا الابتعاث إلى بريطانيا بدلاً من أمريكا فأحضرنا قبولاً من جامعة توتنغهام وذهبنا لبريطانيا وفي خلال أربع سنوات حصلت على الدكتوراه من هذه الجامعة ورجعت.

وماذا عن الماجستير؟

- كنت قد درست جزءاً من دراستي في أمريكا وتوقفت وعندما جئت إلى لندن حولوني مباشرة للدكتوراه ورسالتي بدلاً من أن تكون للماجستير طلبوا مني عمل إضافات لها وعملتها؛ لأنني دخلت عندهم في نظام يسموه (إنفل) هذا الأنفل يعطيك موضوعاً في البحث على أساس أن تبدأ تجهز نفسك وتبدأ تدرس فيه وبعد ثمانية أشهر تكتب تقريراً، وهذا التقرير يعرض على مجلس الجامعة وبعدها يقررون هل يحولونك للدكتوراه أو يقولون لك فقط الماجستير. وبالنسبة لي فقد قدمت التقرير وبعد ثمانية شهور وبتوفيق الله ثم رضا الوالدين جاء قرار تحويلي مباشرة على الدكتوراه والتي أكملتها في أربع سنوات إلا ستة عشر يوماً وكانت في تلوث البيئة.

هل كان لك نشاط اجتماعي خارج الجامعة أثناء تحضيرك للدكتوراه؟

- مشكلتي أن عملي كان كله في المعامل فكنت أخرج من المنزل الساعة الثامنة صباحاً ولا أعود له إلا الساعة الثامنة مساءً؛ فكل نشاطي كان محصوراً في الأبحاث المخبرية ولم يكن لدي وقت حتى يوم السبت الذي كان يوم إجازة كنت أداوم فيه ويوم الأحد هو اليوم الوحيد الذي كنت أتفرغ فيه لزوجتي وولدي.

 

قصة زواج

قلت بأنك تزوجت عندما كنت طالباً في الولايات المتحدة الأمريكية فما قصة هذا الزواج؟ وهل كان لك دور في الاختيار؟

- عندما كنت في أمريكا كانت الحياة صعبة وكانت المغريات كثيرة ولكن العصمة من الله سبحانه، وطوال تلك الفترة لم يرسل لي الوالد إلا رسالة واحدة عندما قرأتها وجدتها تشبه خطبة الجمعة، وقد وضع لي خطوطاً حمراء تحت أكثر عباراتها يقول فيها: (أوصيك ونفسي بتقوى الله والابتعاد عن الحرام والانتباه للمذاكرة.. إلخ) وما زلت أحتفظ بهذه الرسالة؛ فرددت عليه بخطاب قلت له فيه: أنا أريد أن أتزوج اخطبوا لي، فعندما وصله الخطاب وقرأه خطبوا لي عن طريق الوالدة من إحدى العائلات المكية المعروفة وهي ابنة الشيخ عبدالله أسعد ريس مؤذن الحرم المكي الشريف، وفي الخطبة وقبل أن يحصل شيء تقدمت أنا ووالدي ووالدتي ورأيتها وحصل النصيب، حيث تمت الملكة في منزلهم، أما الفرح فكان في فندق الإنتروكنتننتال في بداية إنشائه.

وكم كان المهر؟

- كان خمسة عشر ألف ريال، وأتذكر عمي والد زوجتي - أمده الله بالصحة والعافية - بعد أن أملكت وكنت في كل أسبوع أزورهم في مرة من المرات أخذ منديلاً ووضع فيه أربعة عشر ألف ريال وقال لي نحن أخذنا ألف ريال قيمة الذبيحة وهذا هو الباقي جزاه الله خيراً.

وماذا عن زواجك الثاني؟ وهل صحيح بأنك تزوجت من إحدى طالباتك؟

- لا .. لا .. أنا لا أخلط بين العمل وبين الأمور الأخرى فأنا جلست ستة عشر عاماً وأنا أدرس طالبات وكانت هناك خطوط حمراء وضعتها لا أسمح لأي واحدة منهن تجاوزها، والحمد لله عندما جاءت الأخوات السعوديات وسكن نحن انسحبنا، أما بالنسبة للزوجة الثانية وباختصار بالمصادفة نشأت معرفة بيني وبين أهلها فتقدمت وخطبتها وهي من نفس عائلتنا عائلة جمل الليل، وقد أبلغت زوجتي الأولى بذلك من بداية الأمر ولم أخبئ الأمر عنها، لأنه من تمام العدل أن تشهر والإشهار تم عن طريق الوالد والوالدة والإخوان.

لماذا اخترت الالتحاق بقسم الأحياء تحديداً عندما التحقت بكلية التربية؟

- لأنني أحب المجهر، وأحب المواد الكيميائية، ولدي تشوق للكائنات الحيوانية؛ لهذا تخصصت في علم الحيوان، وعندما تخرجت من الجامعة كان لدي رغبة في هذا المجال طبعاً بالإضافة إلى رغبتي السابقة وهي الالتحاق بكلية الهندسة؛ لأنني كنت أتمنى أن أكون مهندساً ولكن الله حقق لي هذه الأمنية في أولادي فأصبحوا مهندسين.

 

أستاذ جامعي:

أين كانت العودة بعد الحصول على الدكتوراة؟

- كانت لجامعة أم القرى، حيث تحولت وقتها من جامعة الملك عبدالعزيز شطر مكة المكرمة إلى جامعة أم القرى وعينت أستاذاً مساعداً بكلية العلوم قسم الأحياء ثم عينت نائباً لرئيس القسم لمدة سنتين ثم تم تمديدها لسنتين أخريين ثم أصبحت رئيساً لقسم الأحياء، وبعدها أحببت أن أتفرغ للبحث العلمي إلى جانب التدريس؛ لأن العمل الإداري يأخذ وقت عضو هيئة التدريس عن الأبحاث، فبعدها بخمس سنوات حصلت على أستاذ مشارك وبعدها تم تعييني مشرفاً عاماً لإدارة شؤون أعضاء هيئة التدريس بالجامعة والتي عملت فيها لمدة عشر سنوات.

ماذا قدمت لهذه الإدارة.. إدارة شؤون أعضاء هيئة التدريس بالجامعة؟

- قدمنا خدمات عامة لأعضاء هيئة التدريس بحيث يتفرغ عضو هيئة التدريس لمهامه التدريسية، وتعرفت من خلالها على أسلوب العمل وعلى الأنظمة وقوانين المملكة ليس في الداخل فقط، بل حتى في الخارج، ومع بداية تولي الدكتور عدنان وزان مديراً للجامعة طلبنا تحويل هذه الإدارة إلى عمادة وصدرت الموافقة السامية على تحويلها إلى عمادة وبدأنا نتوسع في عملنا ونضم لنا إدارات جديدة ومنها إدارة شؤون الموظفين أسوة بجامعتي الملك سعود والملك فهد، وكان لهذه العمادة دور كبير في إحداث الكثير من التغييرات بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس، وبعدها تفرغت مرة ثانية للتدريس والأبحاث وابتعدت عن المناصب الإدارية لكي أترك فرصة للجيل الجديد بأن يكمل المسيرة.

ومتى حصلت على الأستاذية؟

- قبل ثلاثة عشر عاماً في الأحياء عن تلوث البيئة.

ما أهم إنجاز حققته في حياتك؟

- الإنجاز الكبير هو تربيتي لأبنائي واستثماري فيهم، إضافة لأبحاثي وهي كلها منشورة في مجلات علمية متخصصة خارج المملكة سواء في مصر أو ألمانيا أو غيرها، وهي كمحتوى علمي تستفيد منه الكثير من الشركات والجامعات، فالمنشور من أبحاثي يزيد عن سبعة وثلاثين بحثاً، وهناك أبحاث كثيرة غير منشورة وهناك أبحاث أوقفتها لأنها خاصة بي وليست للنشر.

وكم عدد رسائل الماجستير والدكتوراه سواء التي أشرفت عليها أو ناقشتها؟

- يكفي أن تعلم أن أول رسالة ماجستير في قسم الأحياء بجامة أم القرى كانت تحت إشرافي، وثاني رسالة دكتوراه في قسم الأحياء كانت تحت إشرافي وغيرها، كما ناقشت عدداً كبيراً من الرسائل، وحكمت الكثير من الأبحاث للعديد من الجامعات في المملكة وخاصة جامعة الملك عبدالعزيز.

ماذا كان عنوان أطروحتك في الدكتوراه؟

- كانت عن استخدام الكائنات الحية لمعرفة وجود التلوث أم لا؟..

لأنك الآن لكي تثبت نسبة التلوث ممكن تقول إن نسبة الأكاسيد مرتفعة أو نسبة الرصاص وغيره، لكن ماذا عن تأثيرها على الكائنات الحية هذا هو الذي درسته؛ لأن الذي يؤثر على الكائنات الحية يؤثر على الإنسان، ونحن في المملكة تكاد أكبر مشكلة تواجهنا هي مشكلة الصرف الصحي خاصة وأن نسبة منسوب المياه الجوفية لدينا مرتفعة فتلوث الصرف الصحي كان له تأثيره على المياه الجوفية، وعموماً فإن تلوث البيئة إحدى المشاكل التي تواجهنا الآن كمجتمع متحضر نتيجة لزيادة عدد السكان ونتيجة لاستهلاكنا للكثير من المواد الصناعية في حياتنا اليومية. فالمصانع وعوادم السيارات وخروج الهواء المؤكسد أو المكربن في الهواء ساهم بشكل كبير جداً في عملية التلوث، إضافة إلى ازياد النواحي الصناعية في بلادنا؛ وهذه كلها أثرت وأدت إلىزيادة العناصر الثقيلة في الهواء والماء.

 

مواقف طريفة

ما أطرف موقف مررت به أثناء البعثة؟

- هناك العديد من المواقف الطريفة التي مررت بها.. الموقف الأول هو عندما وصلت لأمريكا على أساس أنني مبتعث وحاصل على قبول من جامعة أريزونا ستيتمنت في مدينة (تمبي)، فبعد أن قدمت كل أوراقي للملحقية تم صرف تذكرة سفر لي لكن الموظفة المسؤولة عن صرف التذاكر أخطأت فبدلاً من تكتب مدينة (تمبي) كتبتها (تمبا) فذهبت للمطار وركبت الرحلة فإذا بالطائرة تذهب إلى فلوريدا بدلاً من أريزونا، فبعد أن وصلت لمطار فلوريدا قلت لهم أريد مدينة تمبي فإذا بهم يقولون لي أنت الآن في فلوريدا والمفروض أن تذهب إلى أريزونا؛ لأن مدينة تمبي هناك أما هنا فأنت الآن في مدينة تمبا، وكنت في موقف لا أحسد عليه لأنني كنت طالباً جديداً وأريد أن أباشر في هذه المدينة التي سأدرس فيها.

 

مطوف بالوراثة

ننتقل للحديث عن مشوارك مع الطوافة كمطوف فمنذ متى بدأت في مزاولة هذه المهنة؟ وهل هذه المهنة متوارثة في الأسرة؟

- نعم، هذه المهنة متوارثة في الأسرة فمعظم أبناء العائلة كلهم مطوفون من أيام التقارير القديمة وبالنسبة لي منذ أن فتحت عيني على الدنيا وجدت جدي ووالدي مطوفين والوالد الآن في الثمانينات من عمره وكان نائباً لرئيس مجلس إدارة مؤسسة جنوب آسيا، وقد عملت في هذه المهنة مع جدي ووالدي منذ أن كان عمري أحد عشر عاماً، وعندما وصلت إلى سن الخامسة عشرة أجبرني جدي على حفظ أدعية الطواف والسعي وكان يسمّعها لي ليتأكد بنفسه من حفظي لها، وبعد أن تأكد من حفظي لها أرسلني هو ووالدي إلى وزارة الحج والأوقاف لكي أحصل على تصريح لمزاولة هذه المهنة، وكان لا بد لأبناء المطوفين من الحصول على هذه البطاقة أو التصريح بعد أن يجتازوا الاختبار الذي تعقده لهم الوزارة، والحمد لله قد ذهبت لوزارة الحج والأوقاف وبعد أن أجروا لي الاختبار اللازم أعطوني التصريح.

اختبرتك وزارة الحج والأوقاف في ماذا؟

- يضحك ويقول: اختبروني في الأدعية.. الشوط الأول كذا والشوط الثاني كذا.. إلخ وفي الأخير أصدروا لي بطاقة تدل على أنني ابن مطوف، وأنني أستطيع أن أطوف في الحرم. وأذكر أول ما نزلت أطوف في الحرم أعطاني جدي مشلحه وكان لونه أسود وما زلت محتفظاً به من تلك الأيام عندما كنت أعمل معه، حيث كنا ننزل للحرم أربع مرات في اليوم نطوّف الحجاج ونسعّيهم.

هل كان هناك زي معين كنت ترتديه عندما تنزل لتطويف الحجاج في المسجد الحرام؟

- كنت ألبس غترة وثوباً ومشلحاً، وكان الحجاج يحاولون أن يحملوني على أكتافهم أثناء الزحام عندما كنت أطوّفهم؛ لكوني كنت صغيراً لكني كنت أرفض لكن أحياناً يكونون هم مساندينني وما زلت أعمل في تلك المهنة منذ ذلك اليوم وحتى الآن.

ما جنسيات الحجاج الذين كنت تقوم بخدمتهم وتطويفهم أيام الطوافة الفردية؟

- معظمهم من الهند والباكستان وأحياناً يكونون مشكلين من مصر ومن لبنان وحتى من أفريقيا حسب علاقة كل مطوف بالدول التي يأتي منها الحجاج.

ما نوعية الخدمة والعمل الذي كنت تقوم به في مرحلة البدايات؟

- كنت أستقبل الحجاج عند مجيئهم بالأتوبيسات وأقدم لهم ماء زمزم وأوزع عليهم كروتنا كي لا يضيعوا عندما ينزلون للحرم، ثم في مرحلة لاحقة أصبحت أنا الذي أنزل وأطوفهم، وكنت أشعر بسعادة غامرة أثناء تأديتي لهذا العمل. وكان لدى كل مطوف صبيان يأتون للعمل معهم في موسم الحج ويقومون بتطويف الحجاج، فكنت في بعض الأحيان أنزل للحرم مع هؤلاء الصبيان الذين كانوا يعملون عند جدي قبل أن أحصل على تصريح وزارة الحج. وكانت مسؤوليتنا تجاه هؤلاء الحجاج في عرفات ومنى ومزدلفة، وكان والدي هو الذي يقوم بالعمل بدلاً عن جدي الذي كان كبيراً في السن؛ كنصب الخيام وإحضار الأتوبيسات والإشراف على التغذية.. إلخ، وكانت متعة الحج في هذا الكم من الأعمال التي تأتيك كلها دفعة واحدة ويتوقف نجاحك على مدى تصرفك بحنكة وحكمة وممارسة وعلى نوع من الخبرات المتراكمة التي مررت بها.

ما أغرب موقف مررت به أثناء تأديتك لهذه المهنة في موسم الحج؟

- يضحك ويقول: أذكر مرة أيام الطوافة الفردية جاءنا حجاج أفارقة وصادف في اليوم نفسه أن جاءنا حجاج هنود، وكنا نستقبل الحجاج في أول يوم وصولهم ونسكنهم في ديوان طويل يقع في مؤخرة حوش منزلنا فسكناهم جميعاً في هذا الديوان، حيث سكنا الحجاج الهنود في أول الديون والحجاج الأفارقة في آخره، وفي الليل سمعنا صراخاً وزعيقاً عالياً وكنت وقتها أعمل في مكتب والدي لأنه كان موظفاً في الصباح، فكنت في الليل أمسك جزءاً من العمل وكان الوالد معي وقتها؛ فعندما سمعنا الصراخ هرولنا مسرعين لنعرف السبب وراء هذا الصراخ.

وماذا كان السبب؟

- السبب هو أن الأفارقة كانوا يريدون أن يناموا ولكن الهنود كانوا يتحدثون طوال الليل ويزعجونهم؛ ولأنهم لا يعرفون لغة بعض استخدموا لغة الإشارة ولكن بطريقتهم، حيث كان الأفارقة يأكلون التمر ويأخذون النوى وكل واحد يتكلم من الهنود يخبطونه على رأسه بهذا النوى لكي يسكتوه؛ فالذي تصيبه النواة يصرخ.. فعندما جئنا وجدنا الأرض كلها مفروشة بالنوى والهنود يبكون وكل واحد منهم ممسكاً برأسه من شدة الألم فهدأنا الوضع وفصلنا الحجاج الأفارقة عن الهنود ومرت تلك الليل بسلام.

ما اللغات التي تجيدها ولا سيما أنك تتعامل مع العديد من الجنسيات في الحج؟

- إضافة للعربية اللغة الإنجليزية، والأوردية والتي اكتسبتها من خلال تعاملي مع الحجاج وإن كان والدي يجيدها أكثر مني؛ لأنها الأكثر انتشاراً في جنوب آسيا بين الهنود والباكستانيين وجرء من البنغالة يتحدثوا بهذه اللغة؛ لأنها أسهل لغة بالنسبة لجنوب آسيا.

كيف وفقت بين العمل في الطوافة والعمل الأكاديمي إلى أن حصلت على الأستاذية؟

- الطوافة هي ثلاثة أشهر في العام، وأنا قبل أن أعين في مجلس إدارة مؤسسة مطوفي حجاج جنوب آسيا كنت رئيس مكتب وكان عملنا ثلاثة أشهر في العام وبقية العام أنا متفرغ للبحث العلمي والتدريس والنواحي الأكاديمية والعمل الإداري في الجامعة، وعندما عينت في مجلس إدارة المؤسسة كان تبقى لي عدد قليل من الأبحاث للترقية على درجة الأستاذية فأنجزتها بتوفيق الله وحصلت على الأستاذية.

أبا صافي أيهما أقرب إلى نفسك لقب مطوّف أو أكاديمي؟

- أكاديمي لقب تعبت عليه ولا أحب أن يقول لي أحد يا دكتور خارج الجامعة؛ فأنا دكتور فقط في عملي داخل الجامعة، وأنا في مؤسستي هنا مطوّف، وأفتخر بلقب مطوف؛ لأنني حملت هذا اللقب عن آبائي وأجدادي من السابق، ولكن أحب لقب إلى نفسي هو لقب (أبو صافي) لأنني أعتز بولدي. وأحياناً أتضايق عندما أكون في مجلس أو مناسبة وأشعر بأن الناس تعاملني معاملة مميزة؛ لأنني دكتور فأنا ضد هذه النظرة وهذا التعامل؛ لأنني إنسان بسيط والدكترة هي فقط للنواحي الأكاديمية ولجامعتي وفي حياتي الشخصية لا أحب أن أكون مميزاً عن الآخرين.

لو لم تكن أستاذاً في الأحياء ماذا كنت تود أن تكون؟

- كنت أود أن أكون مهندساً ولكن الله حقق لي هذه الرغبة في أبنائي فأنا لدي ثلاثة أبناء مهندسين.

كيف ترى إسناد مهمة إسكان الحجاج لبعثات الحج كما هو حاصل حالياً؟ وهل ترى عودته إلى المؤسسات؟

- أتمنى من الله أن يرجع إسكان الحجاج إلى المؤسسات؛ لأن كثيراً من بعثات الحج لها مجموعات من الجاليات موجودة في الداخل وهؤلاء يسيئون لنا؛ لأن بعض البعثات تستأجر وتعطي وعوداً للحجاج في بلادهم بأن السكن سيكون بجوار الحرم فيأتي الحاج ويجد السكن بعيداً عن الحرم بثلاثة كيلومترات أو أكثر؛ فتبدأ المشاكل برفض السكن؛ فكثير من الحجاج أصبحوا عندما يأتون يرفضون السكن نتيجة عدم ملاءمة ما تم إبلاغهم به مع السكن الحالي الذي تم استئجاره لهم؛ وهذا يسبب لنا مشاكل تؤرق المؤسسات ووزارة الحج والجهات الرقابية الأخرى.. وأتمنى أن يوضع تنظيم من قبل الدولة بحيث يكون الإسكان كله تحت مظلة الدولة ونحن مستعدون لتنفيذه وفق شروط وضوابط معينة.

 

التعليم التطبيقي

ما أولى ملاحظاتك على التعليم الجامعي؟

- نحن بحاجة إلى تحويل التعليم الجامعي إلى تعليم تطبيقي، وهناك إمكانات سهلة جداً لاستخدام تقنية المعلومات في هذا المجال، الشيء الآخر تخفيف المتطلبات التي تطلبها الجامعات؛ فمثلاً الطالب الذي يلتحق بكلية الطب أنا ألزمه بمواد معينة في أول سنة لكن بعدها أوجهه في الاتجاه الذي يتلاءم مع تخصصه لا أن أجلس أطالبه بمتطلبات جامعة وببعض العلوم التي لا يحتاجها.

وبالنسبة لمستوى الطالب الجامعي كيف تراه؟

- أنا درست كل من الذكور والإناث ووجدت أن الإناث أكثر جدية من الذكور.. والملاحظ أن عينات الطلاب التي تأتينا من التعليم العام ليست في المستوى المطلوب، وقد يكون اختبار القدرات والاختبار التحصيلي ساهم في إيجاد نوعية معينة، لكن يظل المستوى دون المأمول بصفة عامة؛ لذلك بدأت تلجأ الجامعات إلى السنة التحضيرية؛ لأن كل طالب يلتحق بالجامعة يقول أنا أريد أن أصبح طبيباً؛ فهذه السنة تعمل لنا عملية خلخلة لهؤلاء الطلاب وبالتالي يمكن توجيه كل واحد منهم حسب قدراته.

أخيراً ماذا عن العضويات؟

- أنا عضو في الجمعية الإحيائية البريطانية، وعضو الجمعية الألمانية المصرية، وعضو جمعية الحياة والفقريات المصرية، وعضو الجمعية السعودية لعلوم الحياة، ودائماً ما تأتيني منها بحوث للتقييم وغيرها.

المصدر :  اليمامة   حوار: توفيق محمد نصرالله - تصوير: محمد المحمادي

2012/07/07

-------------------------------------------------------------------------

انتقل إلى رحمة الله تعالى السيد : الأستاذ الدكتور شيخ بن محمد صافي جمل الليل الحسيني ، بعد معاناة مع المرض، وتمت الصلاة عليه يوم الخميس السادس والعشرين من شهر شوال لعام ١٤٣٨هجرية بالمسجد الحرام وتم دفنه بالمعلاة بجوار أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها، في حوطة الساده رقم (١٣) من جهة المدخل الرئيسي .