الذكرى الثانية لوفاة عالم اللغة العربية وآدابها الأستاذ الدكتور فؤاد بن محمود سندي

الذكرى الثانية لوفاة عالم اللغة العربية وآدابها الأستاذ الدكتور فؤاد بن محمود سندي رحمه الله تعالى (١٣٦٢-١٤٣٦هـ)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل:
{‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏}، ‏والصلاة والسلام على سيدنا محمد معلم الناس الخير وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.                                         
                                                وبعد:

قالوا الأسى يعلو فؤادك والكدر
ما هذه الأحزان مالك والسهر

أتراك عشت الليل يأسرك الهوى
أم كان سهدك للحبيب ومن هجر

أم أنها الأوهام سارت بالكرى
فمضيت ترسل ناظريك إلى القمر

حتى متى تبقى واجمًا متندمًا
هلا ذكرت لنا مصابك والخبر

فأجبتهم عذرًا دعوني ما أنـا
إلا أسير الحزن في زمن العبر

خاطبتهم والدمع يخنق أحرفي
أنا مؤمن بالله راضٍ بالقدر

أنا مؤمن لكن عيني لم تزل
ترنو إليه محدثًا رغم الكدر

مازلت أسمع صوته يهدي لنا
من علمه الفياض أنواع الدرر

ياسيدي مهلاً فالأنام بحـاجة
للعلم والإيمان للذكر العطر

في أرض مكة ودعوك وما دروا
أن الذي قد ودعوه هو القمر

إن ممن رفعهم الله أهل العلم العاملين، الذين هم أركان الشريعة وأمناء الله في خلقه، ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء، بهم تُحفظ الملة وتقوم الشريعة، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الضالين، فلله درهم وعليه أجرهم، ما أحسن أثرهم، وأجمل ذكرهم، رفعهم الله بالعلم وزيّنهم بالحلم، فهم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، بهم تحيا القلوب، مَثَلُهم في الأرض كمَثَل النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيّروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا.

لقد رزئت الأمة يوم الخميس الموافق ٢٠-٦-١٤٣٦هـ،  بفقد العالم المُحقق الزاهد الأستاذ الدكتور فؤاد بن محمود بن محمد سندي رحمه الله وأكرم مثواه ، وانزل عليه شآبيب رحمته ، وسوانح رحمته ، وعظيم فضله وإنعامه آمين.
يقول الشاعر :

لعمرك ما الرزية فقد مالٍ
ولا شاةٌ تضيعُ ولا بعير
ولكن الرزيـة فقد فـذٍ
يموت بموتـه خلقٌ كثير

وإذا أردنا أنْ نستجليَ الملمحَ الأبرزَ في حياةِ الأستاذ الدكتور فؤاد رحمه الله ، لرأيناه ماثلاً في "العلم والتعليم" كمشروعِ عمرٍ صرفَ لهُ حياتَه كلَّها منذُ أنْ ثنى ركبتيه في الكتاب بمكة المكرمة قبل التحاقه بالمدارس النظامية والحلقات العلمية لعلماء المسجد الحرام، ثم في مدارسها النظامية، وفي أروقة وحصوات المسجد الحرام لينهل من معين علمائها وخصوصًا ملازمته للشيخِ الأعجوبةِ الزاهد محمود الغزنوني الحنفي النقشبندي عالم المنقول والمعقول، وكذا الشيخ الموسوعي محمد خير يار محمد الباكستاني الحنفي المكي.

وانتهاءً بمسيرتهِ العلميةِ الحافلةِ في مكة المكرمةِ والمدينة المنورة، والأزهر الشريف بمصر المحروسة على كبارِ علمائِها رحمهم الله. ولمْ يكتفِ بذلكَ بلْ سلكَ طريقَ الدِّراسةِ النِّظاميةِ حتى نالَ أعلى الشهاداتِ وكانَ مناقشوه يعدُّونَ جلسةَ الحوارِ الأكاديمي معهُ فرصةً لمزيدٍ منْ المذاكرةِ والاستفادةِ؛ وهذا منْ معرفتِهم بباعِهِ في العلمِ والفهم، وتتلمذَ في دراستهِ النِّظاميةِ على عددٍ كبيرٍ من الأشياخِ منْ مصرَ وغيرها. وكانَ منْ ثمرةِ هذا الجهدِ المبارك ما تركه من مؤلفات تزيد على عشرةَ كتب.

لقد عاش كبيرًا في همته، قريبًا من ربه، ذليلاً لمولاه، متعبدًا في سفره وإقامته، متوثبًا لكل معروف، يُمضي يومه في عبادة و قربة، أو شفاعة وكشف كربة، أو علم يبثه بين الأنام، مُحتسبًا لا يكلُّ ولا يملُّ، متجدد في كل وقت، متعففٌ في صمت، يُفرحه العطاء، ويؤنسه الوفاء.

إن حياته كلها دروسٌ وعبر، ما تأملها منصفٌ إلا عرف ماذا فقدنا بفقده، وإنّي كنت قد أسهبت وبسطت القول في العام الماضي حين ترجمتُ له، إلا أنني اعترف في حقه بالتقصير، وأعلم أن له عليَّ من الحق الكثير، وقد سلكت فيما أظن سبيل العدل، وحاولت أن أبتعد عن الإطراء الذي كان يكرهه رحمه الله تعالى.

صورة تجمع د.فؤاد سندي مع العم محمد على يماني ( كاتب الموضوع )

هذا ما تيسَّر على عجل، مع تعب النفس وأثر الكلل، و وقع المصيبة، وخطر المقام، وكِبَر الحق، وقلة البضاعة أقدمه هديَّة من محبٍّ صادق، ومُعترفٍ بالتقصير لكل من خلَّفه من أهله وذويه، وطلبته ومُحبيه، مُقدمًا للعذر ومُلتمسًا للقبول من الله ذي المنن السابغة، والنعم الظاهرة والباطنة قيامًا ببعض الواجب، سائلاً المولى الكريم أن يُسبغ عليه فضله وإنعامه، ويُجزل مثوبته، وأن يجزيه خير ما جزى عالمًا عن أمته، وينقله إلى أعالي الجنان، ويُسكنه فسيح دار المنان، ويعوض الأمة خيرًا مما فُقد منها، ويجعل في ذريته وعقبه الخير والهدى والبركة آمين  وصلى الله وبارك على  سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.

لقراءة ترجمة | الأستاذ الدكتور فؤاد بن محمود بن محمد سندي ١٣٦٢ - ١٤٣٦ هـ | أضغط هنا

إعداد : محمد بن علي يماني (أبو عمّار) | تم النشر في 1438/6/20هـ