أيام مكة ولياليها في رمضان ... رواية عبدالغفار الهولندي

 

يتميز شهر رمضان الكريم بنكهة خاصة وطقوس مميزة في كل بلد مسلم أو يوجد فيه مسلمون. وأدرك المستشرق الهولندي هورخرونيه هذه الحقيقة، ومن ثم حرص أشد الحرص على تصوير كل صغيرة وكبيرة شاهدها في رمضان حال إقامته في مكة متخفياً في زي مسلم.

وقبل استعراض الصور القلمية لرمضان التي رسمها هورخورنيه، يجدر بنا إلقاء الضوء في عجالة على تاريخ الرجل ومكانته في الأوساط الاستشراقية.

ولد الدكتور كرستيان سنوك هورخرونيه في شمال برابانت Brabant في هولندا في عام 1857، درس في جامعة ليدن، وتخصص في اللغات والآداب السامية، وحصل على الدكتوراه عام 1880 في موضوع «الحج عند المسلمين وأهميته الدينية»، عمل فترة تحت إشراف المستشرق نولدكه ثم عين محاضراً في الدراسات الإسلامية لتدريب الموظفين المتوجهين الى جزر الهند الشرقية، ثم حصل على إجازة دراسية عام 1884-1885 لزيارة شبه الجزيرة العربية للتعرف إلى الإسلام وأحوال المسلمين عن قرب. ولما كان دخول غير المسلمين مكة محظوراً فقد انتحل صفة مسلم وسمى نفسه عبدالغفار، وبقي في مكة حتى آب (أغسطس) 1885. وهذه الزيارة مكنت هورخورنيه من تأليف كتاب عن مكة في جزءين: الأول لتاريخ مكة، والثاني وصف فيه مشاهداته لحياة أهل مكة بكل دقة. وفي عام 1889 عين مستشاراً للشؤون الشرقية والإسلامية وأقام في جاوة الهولندية 17 سنة، وفي عام 1906 عين أستاذاً للدراسات الإسلامية في جامعة ليدن، حتى تقاعد عام 1927 وتوفي عام 1936 .

أما عن رمضان كما شاهده بعينيه وصوره بقلمه ، فيذكر أن الاستعداد لرمضان في مكة يبدأ من النصف الثاني من شعبان ، ومن طرف هذا الاستعداد أن أهل مكة يصورون رمضان في صورة شيخ يسمى الشيخ رمضان يبدأ رحلته في العشرين من شعبان من المدينة المنورة نحو مكة المكرمة، ويبدأ العد التنازلي لاستقبال الشيخ رمضان حتى يوم الثامن والعشرين اذ يصبح من غير المؤكد هل يصل بعد يوم أو يومين، إشارة الى انتظار استطلاع الهلال، ليعلم الناس هل يصومون أم يكملون عدة شعبان ثلاثين يوماً. وقد رصد هورخورنيه أو عبدالغفار كما كان يسمي نفسه عادة صحية يتبعها أهل مكة في فترة زيارته هي تطهير المعدة مما يمكن أن يوجد بها من مشاكل من خلال تناول شراب مسهل، وهذا الشراب يعده طبيب مكة بناء على وصفة يعتبرها سرية ولا يفصح عنها، والغريب أن الطبيب كان يوزعها على طالبيها بالمجان بخلاف الأدوية التي كان يتقبل ثمنها، والأرجح أنه كان يفعل ذلك قربة لله استعداداً لاستقبال الشهر الكريم.

ويبدو أن هورخورنيه لم يحضر مراسم استطلاع الهلال ومن ثم لم يتحدث عنها، لكنه ذكر أن الصوم يعلن عنه بإطلاق طلقات المدافع، إيذاناً ببدء الشهر الفضيل، وحينها تنشط حركة الأسواق وبخاصة باعة الحلوى الذين يتفننون في صناعتها، ويفضل الناس تناولها مع وجبة السحور استعداداً لصيام اليوم الأول من الشهر. وأشار إلى أن الغالب في صيام رمضان في مكة أن يكون في طقس شديد الحرارة بسبب الموقع الجغرافي للمدينة.

كما رصد المستشرق الهولندي أمر الإقبال على العبادة في هذا الشهر الفضيل ، اذ أشار إلى أن المقصرين في العبادة في غير رمضان يقبلون بقلوب قوية عليها ويجهدون أنفسهم فيها، أملاً برضا الله وغفران الذنوب، أما الأتقياء من المسلمين فيزداد إقبالهم على الصلاة والصوم ومختلف أوجه التقرب من الله.

أما عن حال المسجد الحرام في نهار رمضان ، فكان صحن المسجد يغطى في قطاع كبير منه حتى لا تكاد أشعة الشمس تصل الى أرض المسجد، ومع ذلك كانت حرارة الحصى التي تغطي الأرضية شديدة في شكل لا يطاق يدفع رواد المسجد الحرام للاستمرار في حركة الأرجل بحثا عن مكان أقل حرارة. وفي الوقت نفسه كان الوعاظ يجلسون تحت الأروقة يحيط بهم المريدون، وطلاب العلم، وتتركز محاضرات الوعاظ حول الصيام وأحكامه. أما دروس العلم المعتادة فتتوقف في رمضان بسبب كثرة الزوار.

وقد أبدع هورخورنيه في وصف حال الوعاظ بسبب الصيام وشدة الحر، اذ يقول: «إن الذي يرى الوعاظ في المسجد أثناء إلقائهم الدروس في رمضان، يرى طبقة بيضاء على شفاههم والسنتهم، تنبئ بصعوبة الموقف في أوقات ما بعد الظهيرة» أما المستمعون فكانت علامات الإرهاق عليهم بادية وهو ما يحول دون الاستمرار في متابعة الدروس.

وما أن يقترب المغرب حتى يخرج الزمازمة من خلاويهم ويفرشون الحصر والسجاجيد في صحن المسجد وتحت الأروقة، ويوزعون دوارق الماء البارد بمعدل دورق لكل خمسة أشخاص. أما الأشخاص البارزون من ذوي الجاه والسلطان والمكانة العلمية فكان يضاف إلى الدوارق دوارق فيها ماء محلى أو ماء مطر أو ماء من العيون وفق رغبة كل منهم. أما الجماهير الغفيرة التي ترتاد المسجد في رمضان فتدخل من أبوابه التسعة عشر وكل منهم يحمل إفطاراً خفيفاً في حقيبة صغيرة، أو سلة فيها خبز وتمر وتين. أما الأثرياء وذوو الوجاهة فكانوا يدخلون وخلفهم تابع أو أكثر يحمل طعامهم على صوان معدنية فيها مختلف أنواع الخفيف من الطعام.

أما عن اللحظة التي ينتظرها الجميع وهي لحظة الإفطار فكانت لها طقوس رائعة إذ كان هناك رئيس للموقتين المسؤولين عن مواقيت الصلاة، وهذا الرئيس ينتظر حتى يحين موعد الإفطار ويصعد فوق المبنى المحيط ببئر زمزم ويشير براية للجنود الرابضين في القلعة حول المدافع ينتظرون الإذن بإطلاق المدافع إيذاناً بموعد الإفطار. حينها تتصاعد الأدعية طلباً لقبول الصوم، أما الصوت المميز بعد الدعاء فهو صوت شرب الماء من الدوارق المنتشرة في كل مكان وقرقعة الصحون. في وقت يرتفع فيه أذان المغرب من فوق مآذن الحرم السبع في ذلك الوقت، ومما دل على حرص هورخورنيه على دقة وصدق الوصف أنه ذكر أن في رمضان لا يكون فيه وقت بين الأذان والإقامة، وأن الإمام في الصلاة هو إمام الأحناف الذي يقف بجوار المقام يقصد مقام إبراهيم. أما إمام الشافعية فيؤم من جاء متأخراً في صلاة المغرب الثانية. وعقب صلاة المغرب الثانية ينهض شيخ المؤذنين وهو من الأحناف بترديد بعض المدائح النبوية لمدة ربع ساعة.

وأشار إلى أن ذلك لا يكون إلا في صلاة المغرب، أما بقية الصلوات فتقال بعدها بعض القصائد في حب النبي (صلى الله عليه وسلم). وما أن تنقضي الصلاة حتى يفزع الناس الى بيوتهم لتناول وجبة الإفطار التي تتكون في الغالب من اللحوم المنتقاه السمينة التي ترش بعصير الليمون والخل. وما أن ينتهي الناس من تناول الإفطار حتى يخرجوا من بيوتهم إما لصلاة العشاء أو العمل ولا يبقى في البيوت سوى الكسالى.

أما المسجد في الليل فيكلل بالأنوار، فكل مكان فيه كثير من القناديل وفي الصحن توضع القناديل على حوامل ارتفاع كل منها 1.50 م وما أن تنتهي صلاة الفريضة حتى يتوزع الناس في جماعات متعددة بالقرب من أحد القناديل وعدد كل جماعة يتراوح بين 10 و100 أو 150 ويؤمهم إمام ويساعده مردد لرفع الصوت، وفي الغالب هذه المجموعة بينهما رابط مذهبي أو تكون من بلد واحد أو من مريدي طريقة من الطرق الصوفية وربما يكونون أصدقاء أو زملاء عمل أو دراسة.

وهناك وجه آخر من أوجه البر يقوم به أهل مكة والمجاورون وبعض الزائرين وهو العمرة. وأشار إلى أن العمرة تؤدى في كل الأوقات غير أن الغالبية تؤديها ليلاً، اغتناماً لانخفاض الحرارة، ومن هؤلاء من يذهب للتنعيم للإحرام على الأقدام غير أن الغالبية تستأجر الدواب لهذه الغاية، وإذا كان الراغب في أداء العمرة من الزوار الجاهلين بالطريق فإنه يصطحب دليلاً يساعده في الوصول والإحرام. وأشار هورخورنيه إلى وعورة الطريق نحو التنعيم وانعدام الطعام والشراب كما أن الدواب تعاني بشدة، وهناك كثير من الراغبين في الثراء السريع يقومون بشراء الدواب بكثرة قبل رمضان لاستغلالها في نقل الركاب من التنعيم وإليه للإحرام طوال الشهر الكريم ويقومون ببيعها بعد رمضان بأسعار زهيدة. كما كان بعض الناس يعتمر بصورة يومية وبعضهم لا تمكنه ظروفه الصحية من ذلك فيكتفي بعمرة واحدة.

ومن العادات الرمضانية عادة التذكير ، ففي كل ليلة من ليالي رمضان وبعد منتصف الليل بنصف ســـاعة يصعد مؤذنو المسجد الحرام ويذكّرون الناس بالله ويطلبون منهم الاستغفار في صورة مدائح نبوية أو بعض من النثر، ويستمر التذكير مدة ساعتين. وأوضح عبدالغفار الهولندي أن استجابة الناس للتذكير تتفاوت بين الإسراع للاستيقاظ والعبادة وقراءة القرآن بينما الغالبية تستيقظ وتدعو الله ببعض الأدعية ثم تواصل النوم إلى وقت السحور.

أما السحور فقد عرفه الباحث بأنه دعوة الى الاستيقاظ لتناول وجبة قبل أذان الفجر بساعة، وأوضح أن السحور مستحب وأكدت بركته الأحاديث النبوية. وخلال هذا الوقت يرفع المؤذنون أصواتهم من فوق منائر المسجد الحرام بعبارات تدعو الى السحور مثل «أيها النائمون اصحوا، وجيوش الصبح تشعشع أسرعوا بالشرب فقد حان موعد الصباح» وينهون عملهم برفع الأذان الأول المشير للفجر الكاذب، والغرض من ذلك الاستعداد لصلاة الفجر في سعة من الوقت، وبعد نصف ساعة من الفجر الكاذب يأتي وقت «التتفيه» وهي تسميه شعبية جاءت من التفل إلى لفظ ما في الفم من طعام أو شراب قبل أن يدهمهم أذان الفجر.

وقبل هذا الموعد بساعة ينشط المسحرون يطوفون في المدينة ويدقون الطبول لإيقاظ الناس للسحور، وعند نهاية الشهر الكريم وفي الغالب يوم العيد يزورون البيوت للحصول على الهدايا المادية والعينية وبعضهم يعطيهم شيئاً من صدقة الفطر. ومن العادات الجميلة في رمضان الترحيم وهي دعوات يطلب فيها الناس من الله الرحمة والمغفرة وتبدأ قبل الفجر بنصف ساعة حتى يأذن الفجر وهو بداية التوقيت عند أهل مكة في ذلك الوقت، اذ لم يكن التوقيت قد وحد عالمياً مثل عصرنا الحاضر. كما رصد الرجل ظاهرة المطوعة وهم جماعة من الناس لا يعينهم أحد يتطوعون في شكل تلقائي بلا أجر طلباً للثواب ويطوفون في شوارع مكة يستعجلون النائمين للاستيقاظ لصلاة الفجر صائحين «الصلاة يا عباد الله» بصوت عال وقد يتبعون النداء ببعض الأدعية.

مما سبق يتضح أن هورخورنيه كان حريصاً أشد الحرص على وصف كل صغيرة وكبيرة شاهدها في مكة في رمضان وفي غيره، وجاء هذا الوصف أميناً ومتميزاً إلى حد كبير في ظل ثقافة الرجل الواسعة بحكم تخصصه في الدراسات الإسلامية، وأمانته العلمية.

المصدر : صحيفة الحياة 1436/9/4هـ